مال من العدم
يقابل العالم اليوم تضخماً نقدياً غير مسبوق في التاريخ الحديث، إذ ارتفع حجم المعروض النقدي العالمي خلال عام واحد فقط بنسبة تقارب سبعة في المئة، ليصل إلى نحو مئة واثنين وأربعين تريليون دولار، وهو رقم قياسي يعكس سرعة التوسع في الكتلة النقدية خلال فترة قصيرة. وإذا ما عدنا إلى بداية الألفية، نجد أن المعروض النقدي ارتفع بما يزيد على أربعة أضعاف ونصف، أي بنسبة تتجاوز أربعمئة وستة وأربعين في المئة، وهو ما يعني عملياً أن أكثر من مئة وستة عشر تريليون دولار تمت إضافتها إلى النظام المالي العالمي خلال ربع قرن فقط.
هذا التوسع الكبير في السيولة النقدية لا يمكن فصله عن السياسات المالية والنقدية التي انتهجتها الدول الكبرى، حيث تقود الصين المشهد العالمي بسيولة تبلغ سبعة وأربعين تريليون دولار تمثل ما يقارب ثلث السيولة في العالم، تليها منطقة الاتحاد الأوروبي باثنين وعشرين تريليون وثلاثمئة مليار دولار، ثم الولايات المتحدة بمقدار قريب يبلغ اثنين وعشرين تريليوناً ومئتي مليار دولار. هذا التركّز يعكس أيضاً حجم النفوذ المالي والاقتصادي لتلك القوى في تحديد مسار الاقتصاد العالمي وتوجيه التدفقات المالية.
غير أن هذا الإفراط في طباعة الأموال خلق حالة من فقدان الثقة التدريجي في قيمة العملات الورقية، خصوصاً مع تراجع القوة الشرائية وتزايد الديون السيادية. في المقابل، لجأ المستثمرون إلى الأصول النادرة التي لا يمكن التلاعب بعرضها، مثل الذهب والبيتكوين. فبينما يمكن للبنوك المركزية زيادة المعروض النقدي بضغطة زر، يظل الذهب محدوداً بموارده الطبيعية، والبيتكوين محدداً بسقفه الأقصى البالغ واحداً وعشرين مليون وحدة فقط، وهو ما يجعلهما وسيلتين للتحوّط من تآكل قيمة النقود.
خلال فترات توسع السيولة، يميل سعر الذهب إلى الارتفاع بوصفه مخزناً للقيمة يحمي من التضخم، ويوازيه البيتكوين في السلوك ذاته، إذ يُنظر إليه اليوم بوصفه “ذهباً رقمياً” يتأثر مباشرة بضعف العملات التقليدية. فكلما زاد طبع النقود وانخفضت الثقة بالأنظمة النقدية، زادت شهية المستثمرين نحو الأصول الصلبة التي لا يمكن إنتاجها بلا حدود.
إن المشهد المالي الحالي يؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية بين اقتصاد ورقي مترهل واقتصاد رقمي ناشئ يكتسب شرعيته من ندرة أصوله واستقلاله عن البنوك المركزية. ومع استمرار موجات التضخم وارتفاع الدين العالمي، يبدو أن العلاقة بين توسع المعروض النقدي وارتفاع كل من الذهب والبيتكوين ستبقى محوراً رئيسياً لفهم التحولات الاقتصادية في السنوات المقبلة
#الذهب #البيتكوين