كيف سيتعامل ورش مع الفيدرالي غداً ؟
الرجل الذي لا يريد أن يحارب التضخم فقط… بل يريد أن يغيّر طريقة قراءة التضخم
في الأسواق، المشكلة لا تكون دائماً في الرقم.
أحياناً المشكلة تكون في الطريقة التي نقرأ فيها الرقم.
وهذا بالضبط ما يجعل كيفين ورش مختلفاً عن الصورة السهلة التي يحاول البعض رسمها له.
و البعض يضعه في خانة الرجل الذي سيأتي ليقلب الطاولة على سياسة باول، ويبدأ مرحلة تشدد نقدي قاسية.
لكن الحقيقة أن الموضوع أعقد من هذا بكثير.
ورش ليس مجرد رجل جاء إلى الفيدرالي لكي يرفع الفائدة كلما ارتفع التضخم، ولا هو من النوع الذي يتعامل مع الاقتصاد كأنه لوحة قيادة فيها زر واحد اسمه “ارفع الفائدة” وزر آخر اسمه “اخفض الفائدة”.
لا أبداً.
الرجل يبدو أنه يريد أن يبدأ من سؤال أعمق:
هل التضخم الذي نراه في العنوان الرئيسي هو التضخم الحقيقي؟
أم أن الرقم نفسه مليء بالضجيج، الصدمات، التعريفات، الطاقة، والخوف السياسي؟
وهنا تحديداً تبدأ قصة ورش.
الفيدرالي تحت ورش: سيصبح أقل كلاماً وأكثر حذراً
لإنه خلال السنوات الماضية، تحوّل الفيدرالي إلى مؤسسة تتحدث كثيراً.
تصريحات، مؤتمرات، توقعات، خريطة نقاط، تلميحات، ثم تلميحات على التلميحات، حتى وصل السوق لمرحلة لم يعد يقرأ الاقتصاد بقدر ما يقرأ نبرة رئيس الفيدرالي.
هل قال “ربما”؟
هل قال “مناسب”؟
هل استخدم كلمة “مؤقت” أم “مستمر”؟
وهل ابتسم في المؤتمر الصحفي أم رمش بعينه بطريقة توحي أن الخفض قادم؟
يعني باختصار، صار السوق أحياناً يتعامل مع الفيدرالي وكأنه محلل فني على قناة يوتيوب، لا أكبر مؤسسة نقدية في العالم.
ورش لا يبدو مرتاحاً لهذا الأسلوب.
هو يميل إلى فيدرالي أقل كلاماً، أقل تورطاً في إعطاء وعود مستقبلية، وأقل رغبة في إرضاء السوق قبل كل اجتماع.
وهذا مهم جداً، لأن كثرة الكلام من البنك تجعل السوق يتصرف وكأن السياسة النقدية مضمونة مسبقاً.
وهذا أخطر ما في الأمر.
لأن الفيدرالي عندما يَعِد كثيراً، يصبح أسيراً لوعده.
وعندما يشرح كثيراً، يبدأ السوق بمحاسبته على كل كلمة.
وعندما يعطي خريطة كاملة للمستقبل، ينسى الجميع أن الاقتصاد نفسه لا يعطي خريطة لأحد.
لهذا، من المتوقع أن تكون سياسة ورش أكثر تحفظاً في التواصل.
ليس لأنه يريد الغموض لذاته، بل لأنه يريد أن يعيد للفيدرالي شيئاً من الهيبة النقدية التي ضاعت وسط الإفراط في الشرح.
هل ورش تقليدي؟
هنا نصل إلى الفكرة الأهم.
ورش قد يكون متشدداً ضد التضخم، لكنه ليس بالضرورة تقليدياً.
التقليدي في السياسة النقدية يفكر بطريقة مباشرة جداً:
التضخم مرتفع؟
إذن الفائدة يجب أن تبقى مرتفعة أو ترتفع أكثر.
التضخم فوق الهدف؟
إذن لا حديث عن خفض.
الأجور قوية؟
إذن نخاف أكثر.
لكن ورش، كما يبدو من توجهه، لا يريد أن يقف عند الرقم العام فقط.
هو يريد أن يسأل: ما الذي يرفع هذا الرقم؟
هل هو تضخم منتشر في معظم الاقتصاد؟
أم أنه ارتفاع قادم من عناصر محددة ومؤقتة؟
وهنا تأتي أهمية مقاييس التضخم البديلة، مثل trimmed mean inflation وmedian inflation.
ما هو trimmed mean inflation؟
حتى نفهم ورش، لازم نفهم هذا المقياس.
التضخم العام يأخذ كل شيء تقريباً: الطاقة، الغذاء، الخدمات، السلع، الإيجارات، وكل البنود. المشكلة أن بعض هذه البنود قد تتحرك بعنف في فترة معينة بسبب صدمة مؤقتة.
مثلاً:
ارتفاع النفط بسبب حرب.
ارتفاع بعض السلع بسبب تعريفات جمركية.
قفزة في تذاكر السفر بسبب موسم.
انخفاض حاد في بند آخر بسبب عرض مؤقت.
إذا أخذت كل هذه الحركات كما هي، قد تحصل على رقم تضخم مرعب، لكنه لا يعبر بالضرورة عن التضخم العميق داخل الاقتصاد.
هنا يأتي trimmed mean.
هذا المقياس يقوم ببساطة على حذف الأطراف المتطرفة من بيانات الأسعار، أي البنود التي ارتفعت بشكل مبالغ فيه والبنود التي انخفضت بشكل مبالغ فيه، ثم يحسب التضخم من الجزء الأوسط الأكثر استقراراً.
بمعنى أوضح:
وراش سيحاول أن يقول لك:
دعنا لا نحكم على صحة المريض من حرارة يده بعد أن خرج من الشمس. دعنا نقيس حرارته الحقيقية.
وهذه فكرة مغرية جداً لصانع سياسة نقدية مثل ورش.
لأنه إذا كان التضخم العام مرتفعاً، لكن التضخم بعد التشذيب يظهر أن الضغوط الأساسية تهدأ، فهذا يعطيه مساحة للتريث.
لا يرفع الفائدة بسرعة.
لا يبالغ في التشدد.
ولا يطارد كل رقم شهري وكأنه نهاية العالم وهذا أهم مافي الأمر
لماذا هذا مهم؟
لأن السياسة النقدية لا تعاقب الماضي.
السياسة النقدية تحاول إدارة المستقبل.
إذا ارتفعت الأسعار بسبب صدمة طاقة مؤقتة، وقرر الفيدرالي رفع الفائدة بعنف، فقد يكون كمن يعالج الصداع بكسر الرأس.
صحيح أن التضخم مؤلم، لكن رفع الفائدة ليس دواءً مجانياً.
كل رفع للفائدة له تكلفة: على الائتمان، على الشركات، على المستهلك، وعلى قدرة الاقتصاد على التنفس.
لهذا، ورش قد يقول:
أنا لا أريد أن أتجاهل التضخم، لكني لا أريد أيضاً أن أتعامل مع كل ارتفاع مؤقت وكأنه تضخم بنيوي دائم.
وهنا يظهر الفرق بين التقليدي وورش.
التقليدي يرى الرقم المرتفع فيطلب التشدد.
ورش قد يرى الرقم المرتفع، ثم يسأل:
هل هذا الرقم يمثل الاقتصاد كله؟
أم يمثل مجموعة صدمات مؤقتة تضخم المشهد؟
يتشدد عندما يرى أن التضخم أصبح واسعاً ومستمراً.
ويتريث عندما يرى أن التضخم الحقيقي يبرد تحت السطح.
لكن أين الخطر؟
الخطر أن المقاييس البديلة قد تتحول من أداة تحليل إلى ذريعة سياسية.
وهنا يجب أن نكون واضحين.
trimmed mean
مفيد، لكنه ليس وحياً نازلاً من السماء.
هو مقياس، والمقياس قد يخبرك جزءاً من الحقيقة لا كل الحقيقة.
لأنه عندما تستبعد البنود المتطرفة، قد تستبعد فعلاً الضجيج.
لكن قد تستبعد أيضاً بداية المشكلة.
أحياناً التضخم لا يبدأ واسعاً.
يبدأ من الطاقة، ثم ينتقل إلى النقل، ثم إلى الغذاء، ثم إلى الأجور، ثم إلى الخدمات، ثم يستيقظ الفيدرالي بعد فوات الأوان ليقول: “يبدو أن التضخم لم يكن مؤقتاً”.
طبعاً عبارة “مؤقت” في عالم البنوك المركزية تشبه عبارة “سأدخل صفقة صغيرة فقط” عند المتداولين.
نعرف جميعاً كيف تنتهي القصة.
لهذا، إذا استخدم ورش trimmed mean بحكمة، فقد يعطي سياسة نقدية أهدأ وأدق.
أما إذا استخدمه لتجميل صورة التضخم، فسنكون أمام مشكلة أكبر: فيدرالي يرى النار، لكنه يصر أن الدخان مجرد ضباب صباحي.
السياسة المتوقعة: تريث لا استسلام
الأقرب أن ورش لن يبدأ بسياسة عنيفة ومباشرة.
لن يكون من المنطقي أن يأتي ويقول للسوق:
أنا هنا لكي أرفع الفائدة وأثبت أنني مختلف.
هذا أسلوب سياسي أكثر منه نقدي.
الأرجح أنه سيبدأ بالتثبيت، مراقبة البيانات، وتقليل الوعود المستقبلية.
سيحاول أن يقرأ التضخم عبر أكثر من مقياس، لا عبر الرقم العام فقط.
وسيحاول أن يثبت أن الفيدرالي لم يعد يريد أن يكون تابعاً لمزاج السوق.
بمعنى آخر:
سياسة ورش المتوقعة ليست خفضاً سريعاً ولا رفعاً عشوائياً.
إنما سياسة مشروطة.
إذا أظهرت المقاييس الداخلية أن التضخم يبرد، سيبرر التريث وربما يفتح الباب لاحقاً لخفض محسوب.
أما إذا أظهرت أن التضخم أصبح واسعاً، خصوصاً في الخدمات والأجور والتوقعات، فقد يكون أكثر تشدداً مما يتوقع السوق.
الدولار في عهد ورش لن يتحرك فقط مع قرار الفائدة، بل مع ثقة السوق في طريقة قراءة الفيدرالي للتضخم.
إذا نجح ورش في إقناع السوق أن استخدام المقاييس البديلة ليس تلاعباً بالأرقام، بل قراءة أعمق للواقع، فقد يحافظ الدولار على تماسكه حتى دون رفع جديد للفائدة.
لأن الدولار لا يعيش على الفائدة فقط.
الدولار يعيش أيضاً على ثقة العالم بأن الفيدرالي يعرف ماذا يفعل.
أما إذا شعر السوق أن ورش يستخدم trimmed mean لكي يتجاهل تضخماً واضحاً في حياة الناس، فهنا تبدأ المشكلة.
لأن المواطن لا يشتري حاجاته بمقياس trimmed mean.
هو يشتري خبزاً، وقوداً، إيجاراً، خدمات، وفواتير.
إذا كانت هذه ترتفع، ثم خرج الفيدرالي ليقول إن التضخم الحقيقي أهدأ مما تشعرون به، فهذه فجوة خطيرة بين لغة البنك المركزي ولغة الناس.
وهنا قد يتعرض الدولار للضغط، ليس لأن الفائدة انخفضت فقط، بل لأن الثقة في قراءة الفيدرالي بدأت تهتز.
بالمقابل، إذا تشدد ورش ورفض الخفض السريع، وأكد أن التضخم لا يزال خطراً، فهذا قد يدعم الدولار على المدى القصير.
لأن السوق سيقرأ الرسالة ببساطة: الفائدة ستبقى مرتفعة، والعائد الحقيقي على الدولار ما زال جذاباً.
لكن الدعم هنا مشروط.
إذا تحول التشدد إلى ضغط زائد على الاقتصاد، سيبدأ السوق لاحقاً بتسعير ضعف النمو، وهنا قد يفقد الدولار جزءاً من قوته.
إذن الدولار أمام ورش سيتحرك بين ثلاث قوى:
ثقة السوق في الفيدرالي.
اتجاه الفائدة الحقيقية.
ومدى اقتناع المستثمرين أن التضخم تحت السيطرة فعلاً، لا تحت السيطرة لغوياً فقط.
أثر هذه السياسة على الذهب
أما الذهب، فهو الأكثر حساسية لهذا النوع من السياسات.
لأن الذهب لا يتحرك فقط مع التضخم.
الذهب يتحرك مع الثقة.
إذا شعر السوق أن ورش يتعامل مع التضخم بذكاء، وأن الفيدرالي قادر على التمييز بين التضخم المؤقت والتضخم الحقيقي، فقد يتعرض الذهب لبعض الضغط، خصوصاً إذا بقي الدولار قوياً والفائدة الحقيقية مرتفعة.
لكن إذا شعر السوق أن الفيدرالي بدأ يغيّر طريقة القياس لكي يبرر التريث، فهنا الذهب سيأخذ الموضوع بطريقة مختلفة تماماً.
لأن الذهب يحب هذا النوع من الشك.
يتبع...غداً بعد الخطاب بإذن الله
#الذهب #الفيدرالي #الفائدة