بريكس لا تصنع عملة تنافس الدولار… بل تحاول إزالة الحاجة إليه من منتصف الصفقة
محافظ البنك المركزي الهندي كشف اليوم عن نقاش قد يبدو تقنيًا جدًا:
ربط أنظمة الدفع السريع بين دول بريكس.
وربط العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC مستقبلًا.
لكن خلف الكلمات التقنية توجد فكرة اقتصادية أكبر بكثير.
اليوم عندما تبيع دولة سلعة لدولة أخرى، قد تمر العملية عبر الدولار حتى لو لم تكن أميركا طرفًا في التجارة.
يتم تحويل العملة المحلية إلى دولار.
تمر المدفوعات عبر بنوك مراسلة.
ثم يتحول الدولار إلى العملة الأخرى.
كل خطوة تعني:
وقتًا.
تكلفة.
وسيولة بالدولار.
وربما اعتمادًا على بنية مالية تقع أجزاء كبيرة منها تحت النفوذ الأميركي.
بريكس تحاول بناء طريق آخر.
تخيل أن شركة هندية تستورد من الإمارات.
بدل أن تتحول الروبية إلى دولار ثم الدولار إلى درهم…
يمكن، نظريًا، أن تتم التسوية مباشرة بين الروبية الرقمية والدرهم الرقمي عبر أنظمة مترابطة.
الأمر نفسه يمكن أن يمتد إلى الصين وروسيا والبرازيل وإيران وغيرها.
الفكرة ليست إنشاء دولار جديد… بل حذف الدولار من بعض الصفقات التي لم يكن طرفًا اقتصاديًا فيها أصلًا.
وهذا فرق مهم جدًا.
كثيرون عندما يسمعون عن بريكس يسألون:
متى ستصدر العملة الموحدة؟
لكن العملة الموحدة قد لا تكون ضرورية أصلًا.
إذا استطعت ربط العملات الوطنية ببعضها، وتسويتها بسرعة وبتكلفة منخفضة، فأنت تحصل على جزء كبير من الفائدة دون الحاجة إلى إنشاء بنك مركزي موحد أو سياسة نقدية مشتركة.
وهنا يصبح المشروع أكثر واقعية.
لكن لا يعني ذلك أن الدولار في خطر غدًا.
المشروع ما زال قيد النقاش.
ولا توجد حتى الآن شبكة CBDC موحدة تعمل بين جميع أعضاء بريكس.
بل هناك مشكلات صعبة جدًا يجب حلها.
من يحدد التكنولوجيا؟
كيف يتم التحويل بين العملات؟
ماذا يحدث عندما تبيع روسيا للهند أكثر بكثير مما تشتري منها؟
من يتحمل مخاطر سعر الصرف؟
وما القواعد التي ستطبق على غسل الأموال والعقوبات؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
سبق أن حاولت روسيا والهند توسيع التجارة بالعملات المحلية، وانتهت روسيا بتراكم كميات كبيرة من الروبية لم تجد استخدامًا كافيًا لها.
وهذا يكشف المشكلة الأساسية:
التخلص من الدولار في الدفع أسهل من التخلص منه في الادخار.
الدولار لا يهيمن فقط لأن الناس يستخدمونه في التجارة.
يهيمن لأن هناك سوق سندات أميركية هائلة، وسيولة عميقة، وقدرة على استثمار فوائض الدول بسهولة.
حتى لو استطاعت بريكس بناء نظام دفع مستقل، ستبقى بحاجة إلى الإجابة عن سؤال آخر:
أين ستضع الدول فوائضها بعد التسوية؟
وهنا يدخل الذهب.
الذهب لا يستطيع تشغيل شبكة مدفوعات عالمية.
لكنه يستطيع أداء وظيفة أخرى:
الاحتفاظ بالقيمة خارج التزام دولة واحدة.
ولهذا نرى مسارين يحدثان بالتوازي.
بريكس تبحث كيف تقلل الاعتماد على الدولار في الدفع.
والبنوك المركزية تزيد الذهب لتنويع الاعتماد على الدولار في الاحتياطي.
ليسا المشروع نفسه.
لكن الاثنين ينطلقان من السؤال نفسه:
هل يجب أن يبقى النظام المالي العالمي معتمدًا بهذا الحجم على أصل وعملة ودولة واحدة؟
وهنا تظهر أهمية وجود إيران والإمارات داخل بريكس.
الإمارات مركز مالي وتجاري ضخم.
إيران دولة واقعة تحت عقوبات أميركية واسعة.
الصين أكبر شريك تجاري لكثير من الدول.
الهند تملك واحدة من أكثر شبكات الدفع الفوري تطورًا في العالم.
روسيا لديها دافع سياسي واضح لبناء بدائل.
عندما تجتمع هذه المصالح، يصبح المشروع أكبر من تجربة تكنولوجية.
يصبح بنية تحتية مالية ذات معنى جيوسياسي.
لكن التغيير لن يحدث على شكل انهيار مفاجئ للدولار.
الأرجح أن يحدث بصورة أكثر هدوءًا.
صفقة كانت تُسوى بالدولار تصبح باليوان.
ثم صفقة أخرى بالروبية.
ثم نظام دفع جديد.
ثم خط تبادل بين بنكين مركزيين.
ثم احتياطي أكبر قليلًا من الذهب.
وكل خطوة تبدو صغيرة وحدها.
لكن بعد عشر سنوات قد تكتشف أن الدولار ما زال العملة الأولى…
إلا أن العالم أصبح يحتاج إليه أقل مما كان يحتاجه سابقًا.
هيمنة العملات لا تنتهي عندما تظهر عملة أقوى فقط.
قد تبدأ بالنهاية عندما تظهر طرق كافية تجعل استخدامها غير ضروري في كل معاملة.
وهذا تحديدًا ما تحاول بريكس بناءه الآن.
ليس منافسًا كاملًا للدولار.
بل طرقًا جانبية حوله.
تابعني لتقرأ ما خلف حركة السوق.
#بريكس #الدولار #الذهب #CBDC #العملات_الرقمية