الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

رحلة الذهب الحقيقية

في كل مرة يصل فيها الذهب إلى سعر جديد أو غير متوقع، يعود السؤال نفسه: هل انتهى الصعود؟ هل أصبح الذهب مبالغًا في سعره؟ وهل من المنطقي أصلًا أن نتحدث عن أونصة عند 6,000 أو 8,000 دولار بعدما كان العالم قبل سنوات قليلة يناقش العودة لمستويات 3000$ ؟!

المشكلة برأيي ليست في السؤال، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الذهب. نحن نقيس الذهب بالدولار، ثم نفترض تلقائيًا أن كل تغير في الرقم يعني أن الذهب نفسه تغير. لكن ماذا لو قلبنا المعادلة؟ ماذا لو كان الذهب هو الجزء الأكثر ثباتًا، بينما وحدة القياس التي نستخدمها ـ الدولار ـ هي التي تتوسع وتتغير باستمرار؟ عندها لن يعود السؤال: لماذا أصبح الذهب أغلى؟ بل: كم أصبحت العملة التي نقيس الذهب بها أقل ندرة؟

هذه ليست لعبة لغوية. مجلس الذهب العالمي نفسه وجد في أبحاثه أن العلاقة طويلة الأجل بين الذهب والمعروض النقدي أكثر استقرارًا من علاقة الذهب المباشرة بمؤشر أسعار المستهلك. فمنذ 1971، لم تكن علاقة الذهب بالتضخم الاستهلاكي وحده قوية بالدرجة التي يتخيلها الجمهور، بينما ظهرت علاقة أكثر ثباتًا مع نمو المعروض النقدي الأميركي والعالمي. وفي دراسة أخرى للمجلس، نما المعروض النقدي العالمي M2 تاريخيًا بمتوسط يقارب 9% سنويًا بين 1971 و2020، وكان الذهب يتحرك على المدى الطويل بصورة منسجمة نسبيًا مع هذا التوسع النقدي.

وهنا تبدأ الفكرة التي أريد أن نبني عليها هذا المقال: الذهب لا يحتاج دائمًا إلى حرب جديدة لكي يصعد، ولا إلى أزمة مصرفية كل عام، ولا إلى أن يقرر المستثمرون فجأة أنهم يحبون اللون الأصفر. يكفي على المدى الطويل أن يستمر عدد الوحدات النقدية في الزيادة بوتيرة أسرع من زيادة كمية الذهب. فالذهب الموجود فوق سطح الأرض يقدره مجلس الذهب العالمي بنحو 220 ألف طن فقط، وهذه الكمية تنمو من خلال التعدين بنحو 1.8% سنويًا.، في المقابل، المال نفسه ( الدولار ، الأرصدة الإئتمانية ) يستطيع النمو بوتيرة أسرع بكثير ( وهو ما اقصده بالمعروض النقدي )

حتى في الولايات المتحدة اليوم، وبعد انتهاء عصر الطباعة الاستثنائية المرتبطة بكورونا وتشديد السياسة النقدية لاحقًا، وصل المعروض النقدي M2 إلى نحو 23.16 تريليون دولار في يونيو 2026، مقارنة بنحو 21.94 تريليون قبل عام؛ أي نمو يقارب 5.5%. والفيدرالي نفسه أشار في تقرير السياسة النقدية الصادر في يوليو إلى أن M2 كان خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام أعلى بنحو 4.7% في المتوسط عن العام السابق. هذه ليست معدلات كارثية أو شبيهة بما حدث في 2020، لكنها ما تزال أعلى من معدل نمو المخزون العالمي من الذهب.

وهذا هو الفارق الذي يستحق أن نتوقف عنده. إذا كان الشيء الذي نقيس به القيمة يزيد بنسبة 5% مثلًا، بينما الأصل الذي نستخدمه لحفظ القيمة يزيد بنسبة تقارب 2% فقط، فهناك ضغط هيكلي طويل الأجل يدفع إلى إعادة التسعير.

لن يحدث ذلك بخط مستقيم، وقد ينخفض الذهب 20% أو 30% في دورة معينة، لكن المعادلة الأساسية لم تتغير: هناك وحدات نقدية أكثر تطارد مخزونًا من الذهب ينمو ببطء شديد.

بصيغة أبسط يا صديقي: لنفترض جدلًا أن الذهب هو القيمة، وأن العملة ليست سوى المسطرة التي نقيس بها هذه القيمة. كلما أطلت المسطرة بطباعة وحدات إضافية، لن يصبح الذهب بالضرورة أكثر قيمة من الناحية الفيزيائية، لكنك ستحتاج إلى عدد أكبر من الوحدات النقدية لكي تشتري الكمية نفسها منه.

وهنا يجب أن نكون دقيقين بكلمة «طباعة». الاقتصاد الحديث لا يخلق المال فقط من خلال ماكينة تطبع الأوراق النقدية. التوسع النقدي يحدث أيضًا من خلال النظام المصرفي، الائتمان، الودائع، السياسات المالية، وتوسع ميزانيات البنوك المركزية عند الأزمات. لذلك عندما أقول إن أميركا «تطبع»، فأنا لا أقصد أن مطابع وزارة الخزانة تعمل 24 ساعة؛ أنا أقصد أن النظام الأميركي، مثل أغلب الأنظمة النقدية الحديثة، قائم على قابلية توسع كمية المال والائتمان عندما يحتاج الاقتصاد أو الحكومة إلى ذلك.

وهنا نصل إلى أول سؤال حقيقي: إذا كان الذهب يتحرك مع السيولة على المدى الطويل، فما السعر الذي يمكن أن تعطيه لنا السيولة؟

الجواب المزعج أنه لا يوجد رقم واحد يمكن أن نسميه «السعر الحقيقي». من يقول لك إن المعروض النقدي العالمي يساوي كذا، وبالتالي الذهب يجب أن يساوي كذا بالضبط، يبسط نظامًا شديد التعقيد. ليس كل دولار مطبوع يذهب إلى الذهب؛ جزء منه يذهب إلى الأسهم، جزء إلى العقار، جزء يبقى في الودائع، وجزء يرفع الناتج الحقيقي. كما أن سرعة دوران المال والعوائد الحقيقية وقوة الدولار تغير النتيجة.

لكن يمكننا استخدام السيولة كاختبار للقيمة، لا كآلة تنبؤ.

مجلس الذهب العالمي نفسه يستخدم في بعض تحليلاته مقياسًا للمعروض النقدي يجمع M2 في الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو واليابان والمملكة المتحدة، ويحوّلها إلى الدولار لفهم علاقة الذهب بالسيولة النقدية العالمية. هذا مهم لأنه يخرجنا من الفكرة الساذجة التي تقول إن الذهب مجرد رهان على تضخم الولايات المتحدة. الذهب أصل عالمي، ومن الطبيعي أن يتأثر بالسيولة العالمية لا الأميركية وحدها.

إذا استمر المعروض النقدي العالمي في النمو لسنوات أسرع من نمو الذهب المادي، فلا تحتاج إلى افتراض انهيار الدولار حتى تتوقع سعرًا اسميًا أعلى للذهب. يكفي استمرار الفارق بين سرعة خلق المال وسرعة خلق الذهب. وكلما اتسع هذا الفارق، ازدادت الحاجة إلى عدد أكبر من الوحدات النقدية لشراء وحدة الذهب نفسها.

لهذا قلت في مقال سابق لنا بعنوان «فقاعة الذهب أم فقاعة الذكاء الاصطناعي» إن النظر إلى الذهب بوصفه فقاعة لمجرد ارتفاع سعره قد يكون قراءة ناقصة؛ لأن السعر لا يتحرك في فراغ، وإنما داخل نظام نقدي ومالي تتغير فيه كمية المال، وأسعار الفائدة، والسيولة، وتوزيع رؤوس الأموال. وفي ذلك المقال طرحنا عدة سيناريوهات قادت، بطرق مختلفة، إلى نطاقات تتراوح تقريبًا بين 6,500 و8,000 دولار، سواء من خلال سيناريو انفجار فقاعة الأصول، أو دورات الفائدة، أو بعض القراءات الفنية طويلة المدى. لكن تلك كانت سيناريوهات وليست وعدًا سعريًا، وهذه نقطة يجب أن تبقى واضحة.

المثير للاهتمام الآن أننا عندما نخرج تمامًا من تلك المدارس، ونذهب إلى مدرسة نقدية مختلفة، يظهر رقم قريب جدًا من 8,000 دولار مرة أخرى.

عندما تأسس الاحتياطي الفيدرالي، كان القانون الأميركي يفرض على الفيدرالي الاحتفاظ بذهب يعادل 40% من قيمة أوراق الاحتياطي الفيدرالي المصدرة. هذه النسبة خُفضت لاحقًا ثم أُلغيت نهائيًا، لكنها تعطينا تجربة فكرية مثيرة. ماذا لو أخذنا القاعدة النقدية الأميركية الحالية، وطلبنا ـ نظريًا فقط ـ إعادة غطاء ذهبي بنسبة 40% وفق الفكرة التاريخية القديمة؟

القاعدة النقدية الأميركية بلغت في يونيو 2026 نحو 5.49 تريليون دولار. والولايات المتحدة تملك نحو 8,133 طنًا من الذهب الرسمي، أي قرابة 261.5 مليون أونصة. إذا أردنا تغطية 40% فقط من القاعدة النقدية الحالية بهذا الذهب، فإن الحساب يعطي سعرًا يقارب 8,400 دولار للأونصة ، ولن أخبرك إذا أردنا تغطية 100% لأننا هنا سننصدم برقم يجعلنا لا نؤمن أبداً بمهزلة الدولار

لاحظ ماذا حدث هنا.

لم نستخدم إليوت.

ولم نستخدم دورة بينر.

ولم نفترض انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.

ولم نقل إن الفيدرالي سيخفض الفائدة إلى الصفر.

أخذنا فقط قاعدة نقدية حالية، كمية ذهب رسمية، ونسبة غطاء كانت يومًا جزءًا حقيقيًا من النظام النقدي الأميركي… فظهر رقم قريب جدًا من 8,000 دولار.

ولو استخدمنا غطاءً بنسبة 25%، وهو أيضًا مستوى ظهر تاريخيًا بعد خفض متطلبات الغطاء، فإن السعر النظري ينخفض إلى نحو 5,250 دولارًا. أما لو افترضنا غطاءً كاملًا بنسبة 100% للقاعدة النقدية، فإن الرقم يتجاوز 20 ألف دولار للأونصة.

وطبعًا لا أقول لك إن أميركا ستعود غدًا إلى معيار الذهب، ولا إن 40% هي النسبة «الصحيحة» اقتصاديًا اليوم. هذا سيكون استنتاجًا بلا دليل. أنا أقول شيئًا مختلفًا تمامًا: عندما تظهر منطقة 8,000 دولار من نموذج نقدي مستقل، بعد أن ظهرت منطقة قريبة منها من نماذج أخرى، يصبح من الخطأ التعامل معها كرقم خيالي، لكن يبقى من الخطأ أيضًا التعامل معها كهدف حتمي.

وهذه هي الجزئية الثانية التي تستحق التوسع: هل يظهر هذا السعر في مدارس أخرى فعلًا؟

الجواب: نعم، لكن بدرجات مختلفة من القوة العلمية.

في المقال السابق ظهرت منطقة 6,500–8,000 من خلال قراءة فنية ودورية تفترض أن التصحيح الحالي جزء من دورة أكبر وأن الذهب قد يدخل موجة صاعدة لاحقة. هذه المدرسة مفيدة في تحديد البنية السعرية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء توقع اقتصادي بعيد المدى؛ لأن النمط الفني نفسه قد يفشل إذا تغيرت الظروف النقدية.

أما المدرسة النقدية التي تحدثنا عنها الآن، فهي لا تسأل عن شكل الشارت، بل عن كمية المال مقابل ندرة الأصل. وهنا تأتي قوتها؛ لأنها تفسر لماذا يستطيع الذهب أن يحقق قممًا اسمية متتالية دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح «فقاعة» في كل مرة.

هناك أيضًا مدرسة العوائد الحقيقية. الذهب أصل لا يدفع فائدة، ولذلك ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازته عندما ترتفع العوائد الحقيقية، وتنخفض هذه التكلفة عندما تتراجع الفائدة الحقيقية أو يضعف الدولار. مجلس الذهب العالمي يضع تغير أسعار الفائدة والدولار ضمن أهم المحركات الأساسية للذهب، ويشير في توقعاته لعام 2026 إلى أن تباطؤ الاقتصاد وانخفاض أسعار الفائدة يمكن أن يدعما الذهب، بينما قد تضغط عليه بيئة نمو قوي وعوائد أعلى ودولار أقوى.

ثم لدينا مدرسة الاحتياطيات الرسمية. البنوك المركزية لا تتعامل مع الذهب كمتداول فوركس يبحث عن عشرين دولارًا في الحركة القادمة. هي تنظر إليه كأصل لا يمثل التزامًا على دولة أخرى. وفي مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026، قال 89% من البنوك المركزية المشاركة إنها تتوقع ارتفاع إجمالي احتياطيات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما قال 45% إنها تتوقع زيادة احتياطياتها الخاصة. كما أن 84% ترى أن حصة الذهب من الاحتياطيات ستكون أعلى خلال خمس سنوات.

كل طن يشتريه بنك مركزي لا يعني أن الذهب سيصعد في اليوم التالي، لكنه يغير بنية الطلب على المدى الطويل. وهو طلب مختلف عن طلب المضارب؛ لأن البنك المركزي لا يشتري غالبًا لكي يبيع الأسبوع القادم. لذلك عندما تجتمع ندرة المعروض مع نمو السيولة ومع طلب رسمي طويل الأجل، تصبح فكرة انتهاء دورة الذهب لمجرد أن السعر أصبح «مرتفعًا» أقل إقناعًا.

لكن يجب أن نضع رجلًا على المكابح هنا. الرقم 8,000 ليس إجماع السوق اليوم. متوسط استطلاع حديث لخبراء سوق الذهب نشرته LBMA يضع الذهب قرب 4,500 دولار في نهاية العام، ومجلس الذهب العالمي نفسه لا يضع 8,000 دولار كسيناريو أساسي لعام 2026. أي إن من يتحدث عن 7,000 أو 8,000 يتحدث عن إعادة تسعير أعمق ودورة أطول، أو عن سيناريو نقدي/مالي أكثر توترًا من توقعات السوق الأساسية الحالية.

وهذا برأيي أكثر منطقية من محاولة تحديد الشهر الذي سيصل فيه الذهب إلى رقم ما.

لأن السؤال الأهم ليس: هل سيصل إلى 8,000 في 2027 أم 2028؟

السؤال: ما الذي يجب أن يتغير حتى تنتهي أصلًا البيئة التي تدفع الذهب إلى إعادة التسعير؟

لكي أقول إن رحلة الذهب الطويلة فقدت جزءًا كبيرًا من مبرراتها، أريد أن أرى عجزًا ماليًا أميركيًا ينخفض بصورة مستدامة، دينًا يتوقف عن النمو أسرع من الاقتصاد، معروضًا نقديًا لا يحتاج إلى جولات توسع حادة كلما ظهرت أزمة، عوائد حقيقية إيجابية ومستقرة، دولارًا يستعيد جزءًا من الثقة المفقودة، وبنوكًا مركزية تبدأ بتخفيض الذهب بدل زيادته.

هل هذا هو العالم الذي تشير إليه الأرقام اليوم؟

ليس تمامًا.

مكتب الميزانية في الكونغرس يتوقع عجزًا فيدراليًا يقارب 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، ويتوقع ارتفاع الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور من نحو 101% من الناتج المحلي في 2026 إلى 120% بحلول 2036. هذا لا يعني أن الفيدرالي سيطبع مباشرة مقابل كل دولار من الدين، فهذه ليست طريقة عمل النظام، لكنه يعني أن الضغط المالي طويل الأجل لم يختفِ.

وهنا أصل إلى الجملة التي أراها أهم من أي هدف سعري.

رحلة الذهب لن تستمر لأن العالم يحب الذهب، ولن تنتهي لأن مؤشرًا فنيًا أصبح في منطقة تشبع شرائي. ستبقى الرحلة الصاعدة طويلة الأجل قائمة طالما بقيت المعادلة الأساسية نفسها: وحدات نقدية وديون وائتمان يمكن أن تتوسع بلا سقف صلب، في مواجهة أصل لا يستطيع أحد أن يقرر صباحًا مضاعفة كميته.

قد يصحح الذهب.

قد يهبط بعنف.

قد يدخل سنة كاملة في حركة جانبية.

وقد يخسر المضارب الذي يشتري من القمة حتى لو بقيت رؤيتنا طويلة الأجل صحيحة.

لكن كل هذا لا يغير جوهر الحكاية.

الذهب لا يحتاج إلى أن يصبح أندر غدًا.

الدولار فقط يحتاج إلى أن يصبح أكثر عددًا.

ولهذا، إذا أردت أن تعرف إلى متى سيستمر الذهب بالصعود، فلا تراقب الذهب وحده. راقب واشنطن. راقب العجز. راقب الدين. راقب M2. راقب ميزانية الفيدرالي، وراقب ماذا تفعل أميركا عندما تأتي الأزمة القادمة.

فطالما بقي الحل النهائي لكل أزمة كبيرة هو خلق مزيد من السيولة، أو تسهيل الائتمان، أو توسيع الدين ثم إدارة تبعاته نقديًا، ستبقى هناك قوة تدفع الذهب إلى إعادة تسعير نفسه مع الزمن.

قد تتغير السرعة.

وقد تتغير الطريق.

أما الاتجاه الهيكلي فلن يتغير بسهولة.

رحلة الذهب الحقيقية ستبدأ بالانتهاء عندما تتوقف أميركا عن حل مشكلة الدولار… بمزيد من الدولار.

#الذهب