هل تعيد إيران حرب الثماني سنوات… لكن هذه المرة مع أميركا؟
هناك خطأ صغير في التاريخ… لكنه يغيّر طريقة قراءة ما يحدث اليوم بالكامل.
الحرب التي استمرت ثماني سنوات كانت الحرب العراقية–الإيرانية بين 1980 و1988.
أما ما عُرف لاحقًا بـ حرب الناقلات فكان مرحلة من ذلك الصراع، خصوصًا في سنواته الأخيرة، عندما انتقلت الحرب من الجبهات البرية إلى النفط والسفن والممرات البحرية… ثم دخلت الولايات المتحدة عسكريًا لحماية الملاحة في الخليج.
وهنا تصبح المقارنة مع ما يحدث اليوم مزعجة قليلًا.
لأن الحرب الحالية بين أميركا وإيران لم تعد مجرد ضربات متبادلة وانتهى الأمر.
بعد قرابة ستة أشهر من الحرب، ما زالت المفاوضات تتعثر، ومضيق هرمز في قلب الصراع، وإيران تهدد بالانتقال إلى موقف أكثر هجومية، بينما واشنطن تتحدث عن إمكانية استمرار الحصار البحري والضغط الاقتصادي لفترة طويلة.
وكأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا…
لكنه يحب استخدام الأدوات نفسها.
في الثمانينيات، أدركت إيران والعراق أن ضرب الجيش وحده لا يكفي.
لذلك انتقلت المعركة إلى الاقتصاد.
إلى الناقلات.
إلى صادرات النفط.
إلى تكلفة التأمين.
إلى الممر البحري الذي إذا اضطرب، لا يدفع الثمن الطرفان فقط… بل جزء كبير من العالم.
وهذا بالضبط هو العنصر الأخطر اليوم.
إيران تعرف أنها لا تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة في حجم القوة العسكرية التقليدية.
لكنها لا تحتاج أصلًا أن تربح الحرب بالطريقة الأميركية.
يكفيها أن تجعل تكلفة الحرب أعلى من قيمة الاستمرار بها.
وهذا فرق ضخم.
اليوم، حركة النفط عبر هرمز تراجعت بصورة حادة، والأسواق بدأت تتعامل مع الأزمة كحدث قد يستمر، لا كتوتر سيمر خلال أسبوعين.
رويترز أشارت إلى أن تدفقات النفط اليومية عبر المضيق هبطت من قرابة 18 مليون برميل إلى نحو مليوني برميل، بينما تجاوز خام برنت 90 دولارًا مع تراجع آمال الوصول إلى اتفاق.
وهنا يا صديقي نعود إلى حرب الثماني سنوات.
كيف استطاعت حرب العراق وإيران أن تستمر كل هذه المدة رغم الخسائر الهائلة؟
لأن الحرب تحولت تدريجيًا من سؤال:
من سينتصر؟
إلى سؤال مختلف تمامًا:
من يستطيع تحمّل الخسارة لفترة أطول؟
وهذه هي البيئة التي تصنع الحروب الطويلة.
عندما لا يستطيع طرف حسم الحرب…
ولا يستطيع الطرف الثاني قبول شروط إنهائها…
تصبح الحرب نفسها نظامًا قائمًا بذاته.
تمويل جديد.
تحالفات جديدة.
طرق بديلة لتصدير النفط.
اقتصاد حرب.
هجمات محسوبة.
وردود محسوبة أكثر.
والكل يخسر… لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يتراجع.
فهل تستطيع الحرب الأميركية–الإيرانية أن تستمر ثماني سنوات؟
نظريًا: نعم.
لكن عمليًا، تكرار سيناريو 1980–1988 كاملًا ليس السيناريو الأكثر وضوحًا حتى الآن.
لسبب بسيط:
العراق وإيران كانا جيشين متقاربين نسبيًا في حرب برية مباشرة، ولهما حدود مشتركة طويلة تسمح باستمرار جبهات الاستنزاف لسنوات.
أميركا وإيران مختلفتان.
واشنطن تملك تفوقًا جويًا وبحريًا وتقنيًا هائلًا، لكنها بالمقابل لا تبدو متحمسة لتحويل الحرب إلى احتلال بري واسع.
وإيران بدورها لا تحتاج إلى مواجهة حاملات الطائرات وجهًا لوجه…
لديها مضيق هرمز، الصواريخ، المسيّرات، وحلفاء إقليميون قادرون على توسيع مساحة الضغط من الخليج إلى البحر الأحمر. وهذا بالذات يجعل الاستنزاف ممكنًا حتى دون حرب برية شاملة.
وهنا المفارقة:
تفوق أميركا العسكري قد يجعل الحرب أقصر… لكن انتشار أدوات إيران قد يجعل الأزمة أطول.
ولهذا أنا لا أراقب عدد الصواريخ التي تطلق كل يوم بقدر ما أراقب شيئًا آخر:
هل يستطيع الطرفان بناء اقتصاد يتحمل استمرار الحرب؟
لأن الحرب لا تنتهي عندما ينفد السلاح فقط.
تنتهي عندما تصبح فاتورتها السياسية والاقتصادية أعلى من الهدف الذي بدأت من أجله.
الولايات المتحدة أمام ارتفاع في أسعار الطاقة، ضغط على المستهلك، انتخابات نصفية، وأسواق بدأت تخشى تضخمًا أطول.
وإيران أمام عقوبات، حصار، أضرار في البنية التحتية، واقتصاد يتعرض لضغط متزايد.
أي أن الطرفين يملكان سببًا للاستمرار…
وسببًا أقوى للبحث عن مخرج.
لهذا لا أعتقد أن السؤال الصحيح اليوم هو:
هل ستستمر الحرب ثماني سنوات؟
السؤال الأدق:
متى تتحول الحرب من محاولة للانتصار… إلى محاولة لعدم الخسارة؟
إذا وصل الطرفان إلى هذه المرحلة، فحينها تصبح الأشهر سنوات بسهولة.
وحرب الناقلات القديمة تعطينا درسًا مهمًا:
عندما تدخل الطاقة والممرات البحرية في قلب الحرب، يصبح الزمن نفسه سلاحًا.
وفي الأسواق، من ينتظر بيان وقف إطلاق النار حتى يفهم أن الحرب أصبحت طويلة…
غالبًا سيكون النفط، الذهب والتضخم قد فهموا ذلك قبله بكثير.
#إيران #أمريكا #مضيق_هرمز #النفط #الذهب