الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

حين يكذب الدولار… بماذا نقيس الذهب؟

عندما نقول إن أونصة الذهب تساوي أربعة آلاف دولار أو خمسة آلاف أو أقل أو أكثر، فإننا نتصرف وكأننا قلنا شيئًا نهائيًا. نسمع الرقم، فنظن أننا عرفنا قيمة الذهب. لكن في الحقيقة، نحن غالبًا لم نعرف قيمة الذهب بقدر ما عرفنا كم عدد الدولارات التي نحتاج إليها لنشتريه. والفرق بين الجملتين ليس صغيرًا كما يبدو. لأنك حين تقيس أصلًا نادرًا، بطيء النمو، شديد الانضباط في معروضه، بوحدة نقدية يمكن توسيعها، وتغيير سعر فائدتها، وإغراق النظام بها عند كل أزمة، فأنت لا تحصل دائمًا على صورة صافية لقيمة الذهب، بل على صورة مشوشة يختلط فيها ما حدث للذهب بما حدث للدولار نفسه.

هذا هو السبب الذي يدفع بعض المستثمرين إلى سؤال أكثر ذكاءً: هل من طريقة أخرى لنسعّر فيها الذهب بعيدًا عن الدولار؟ ليس لأن الدولار بلا قيمة، ولا لأن العالم سيتوقف غدًا عن استخدامه، وإنما لأن الدولار أحيانًا يكون جزءًا من المشكلة التي نحاول فهمها. فإذا كان الدولار نفسه يتآكل أو يتوسع أو يتغير، فمن الطبيعي أن تصبح قراءة الذهب من خلاله قراءة ناقصة. وكأنك تحاول قياس طول شيء بمسطرة تتمدد كلما أردت استعمالها، ثم تتساءل بعد ذلك لماذا أصبحت الأرقام مربكة.

أول بديل يطرح نفسه هنا هو الفضة. والفضة ليست اختيارًا عبثيًا؛ فهي ليست مجرد معدن ثمين آخر، بل الأصل الأقرب تاريخيًا للذهب من حيث الوظيفة النقدية. لقرون طويلة، لم يكن الذهب يعيش وحيدًا في عالم المال، بل كان هناك ما يشبه الثنائي النقدي: ذهب للقيمة الكبيرة، وفضة للحركة اليومية والاقتصاد الأوسع. ولهذا فإن النظر إلى الذهب من خلال الفضة يحررك قليلًا من ضوضاء الدولار، لأنك تصبح أمام مقارنة بين أصلين حقيقيين لا بين أصل حقيقي ووحدة نقدية ورقية.

حين نسعّر الذهب بالفضة، نحن لا نسأل كم دولارًا تساوي الأونصة، بل نسأل: كم أونصة فضة نحتاج لنشتري أونصة ذهب؟ وهنا ندخل إلى مفهوم نسبة الذهب إلى الفضة. هذه النسبة كانت عبر التاريخ تتغير بشدة، صعودًا وهبوطًا، لكنها كانت دائمًا تقول شيئًا مهمًا عن المبالغة في تسعير أحد المعدنين مقابل الآخر. فإذا اتسعت النسبة كثيرًا، شعر البعض أن الذهب أصبح مرتفعًا جدًا مقارنة بالفضة، أو أن الفضة أصبحت رخيصة جدًا مقارنة بالذهب. وإذا انخفضت النسبة بشدة، انعكست القراءة.

لكن رغم جاذبية هذا المقياس، لا يجب أن نتعامل معه كحكم نهائي. فالفضة ليست ذهبًا صغيرًا فقط، بل معدن نقدي وصناعي في الوقت نفسه. أي إن سعرها لا يتأثر فقط بالخوف المالي أو الطلب الاستثماري، بل أيضًا بالدورات الصناعية، والطاقة الشمسية، والإلكترونيات، وسلاسل التوريد. وهنا تصبح الفضة مرآة مفيدة، لكنها ليست مرآة صافية بالكامل. هي تساعدنا على رؤية الذهب من زاوية مختلفة، لكنها لا تمنحنا الحقيقة وحدها.

الخيار الثاني أكثر إثارة برأيي، لأنه يمس الحياة مباشرة: تسعير الذهب بعدد ساعات العمل. وهذه طريقة قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة جدًا. بدل أن نسأل كم دولارًا تساوي الأونصة، نسأل: كم ساعة عمل يحتاجها الإنسان العادي لكي يشتري أونصة ذهب؟ هنا ننتقل من السوق إلى الحياة، ومن الشارت إلى الجهد البشري نفسه. وهذه المقارنة تكشف شيئًا لا يستطيع الدولار وحده أن يقوله: هل الذهب أصبح أبعد عن الناس، أم أن الأجور هي التي ضعفت، أم أن النقود نفسها أصبحت أقل قدرة على حفظ قيمة العمل؟

لو ارتفع الذهب بالدولار، لكن الأجور ارتفعت بالمقدار نفسه أو أكثر، فقد لا يكون الذهب قد أصبح أغلى فعليًا بالنسبة للعامل. أما إذا ارتفع الذهب كثيرًا بينما بقيت القدرة الشرائية للعمل بطيئة، فهنا نكون أمام قصة مختلفة. في هذه الحالة، لا يعود الذهب مجرد معدن صعد في السوق، بل يصبح شاهدًا على أن النقود التي يتقاضاها الناس مقابل وقتهم لم تعد تحفظ ذلك الوقت جيدًا. وهذه قراءة قاسية، لكنها صادقة. لأن المال في النهاية ليس أرقامًا على الشاشة فقط؛ المال هو ساعات من العمر جرى ضغطها وتحويلها إلى دخل.

ومع ذلك، حتى هذا المقياس ليس كاملًا. لأن ساعات العمل نفسها ليست ثابتة بين بلد وآخر، ولا بين قطاع وآخر، ولا بين حقبة وأخرى. العامل الأميركي لا يعيش البيئة نفسها التي يعيشها العامل في الهند أو ألمانيا أو مصر، والأجر الاسمي لا يساوي دائمًا الأجر الحقيقي. كما أن جزءًا من ارتفاع الأجور قد يكون مجرد تعويض متأخر عن تضخم سابق، لا تحسنًا فعليًا في القيمة. لذلك فإن تسعير الذهب بالعمل يفتح بابًا رائعًا للفهم، لكنه أيضًا لا ينهي النقاش.

وربما هنا تكمن الفكرة كلها: نحن نستطيع أن نبحث عن طرق بديلة لتسعير الذهب، لكننا في كل مرة نكتشف أن البديل نفسه يحمل مشكلاته الخاصة. الدولار مشكلته أنه ورقي ومتوسع ومتغير. الفضة مشكلتها أنها ليست نقدية فقط، بل صناعية أيضًا. وساعات العمل مشكلتها أنها تختلف باختلاف المجتمعات والأزمنة ومستويات الإنتاجية. أي إننا كلما بحثنا عن وحدة قياس «أنظف» وجدنا أننا لم نهرب من المشكلة، بل غيرنا وجهها فقط.

لكن هذه النتيجة نفسها تقودنا إلى استنتاج أكثر أهمية. لو كان الذهب يحتاج إلى الدولار لنعرف قيمته، لما احتجنا أصلًا إلى كل هذه البدائل. نحن نبحث عن بدائل لأننا نشعر في أعماقنا أن الذهب ليس مجرد شيء يُسعّر، بل شيء يكشف لنا خلل المسطرة التي نحاول استخدامه بها. الذهب هنا لا يشبه سهمًا في شركة، ولا برميل نفط، ولا حتى عقارًا في مدينة ما. هذه أصول نعرف قيمتها عادة من خلال العملة. أما الذهب، ففي لحظات كثيرة من التاريخ، كان هو نفسه الخلفية التي نقيس بها استقرار العملة أو اضطرابها.

ولهذا، عندما تقفز أونصة الذهب من مئات الدولارات إلى آلافها، فليس دائمًا المعنى أن الذهب أصابه الجنون. أحيانًا المعنى الأدق أن النظام النقدي كله هو الذي تغيّر، وأن الذهب فقط كان صادقًا بما يكفي ليعكس هذا التغير. هو لا يعدك بعائد، ولا يصدر عن حكومة، ولا يحتاج إلى ثقتك في ميزانية بنك مركزي. ولهذا السبب بالذات، يعود الناس إليه كلما شكّوا في الأشياء التي تسعّره.

يمكننا إذًا أن نقيس الذهب بالفضة لكي نعرف موقعه داخل عالم المعادن النقدية. ويمكننا أن نقيسه بساعات العمل لكي نعرف علاقته بالجهد البشري والقوة الشرائية. ويمكننا أن نقيسه ببعض الأصول الحقيقية الأخرى إذا أردنا قراءة أوسع. لكن كل هذه المحاولات، على جمالها، تعود بنا في النهاية إلى الفكرة نفسها: الذهب ليس مجرد أصل نبحث له عن سعر، بل هو مقياس يفضح ما حدث للمقاييس الأخرى.

لهذا لا أرى أن السؤال الأهم هو: ما الذي يمكن أن يسعّر الذهب بعيدًا عن الدولار؟ السؤال الأعمق هو: لماذا نشعر أصلًا بالحاجة إلى الهروب من الدولار عندما نحاول فهم الذهب؟ والجواب، في رأيي، واضح: لأن الذهب يقف على الجهة الأخرى من المعادلة. الدولار يقول لك كم عدد الوحدات المطلوبة للشراء. أما الذهب، فيقول لك ماذا حدث لتلك الوحدات نفسها.

قد نقيس الذهب بالدولار، أو بالفضة، أو بعدد ساعات العمل، لكن الحقيقة الأشد إزعاجًا هي أن الذهب، في النهاية، ليس ما يحتاج إلى التسعير الكامل… بل هو الذي يعيد تسعير كل شيء حوله.

وربما لهذا السبب، كلما اضطربت العملات، عدنا إلى الذهب لا لنبحث عن سعره فقط، بل لنفهم سعر العالم من خلاله. ومن يفهم هذه الفكرة لن ينظر إلى الذهب بعد ذلك كسلعة ترتفع وتهبط فحسب، بل كمرآة تكشف ما حدث للنقود، وللعمل، وللقيمة نفسها. ومن هناك تبدأ المتابعة المالية الحقيقية: لا من مطاردة السعر المجرد، بل من فهم المقياس الذي يختبئ خلفه.

يتبع ولم أنتهي....

#الذهب #الدولار #الفائدة #الفضة