الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

متى يصعد الذهب أساسًا؟

كلما صعد الذهب ظهرت القصة الجاهزة نفسها: الحرب رفعت الذهب، التضخم رفع الذهب، الفيدرالي رفع الذهب، الصين اشترت فارتفع الذهب. والمشكلة أن كل واحدة من هذه الجمل قد تكون صحيحة في لحظة وخاطئة تمامًا في لحظة أخرى. فقد تقع حرب ويهبط الذهب، وقد يرتفع التضخم ويهبط الذهب، وقد يخفض الفيدرالي الفائدة ولا يتحرك السعر أصلًا. لذلك، إذا أردنا فهم الذهب فعلًا، علينا أن نتوقف عن البحث عن الخبر الذي يرفعه، ونبحث عن الظرف المالي الذي يجعل الاحتفاظ به أكثر منطقية من الاحتفاظ ببدائله.

هذه، برأيي، هي نقطة البداية في فهم الذهب. الذهب لا يدفع فائدة، ولا يوزع أرباحًا، ولا يملك تدفقات نقدية مثل الشركة. وبالتالي فإن أكبر منافس له ليس الفضة ولا البيتكوين، وإنما الأصل الذي يستطيع أن يمنح المستثمر أمانًا مع عائد، وعلى رأسه سندات الحكومة الأميركية. لهذا عندما تستطيع أن تضع أموالك في سند آمن نسبيًا وتحصل على عائد حقيقي مرتفع بعد احتساب التضخم، يصبح السؤال منطقيًا: لماذا أحمل الذهب؟ أما عندما تبدأ هذه العوائد الحقيقية بالانخفاض، أو يبدأ المستثمر بالشك في استمرارها، تتغير المعادلة لمصلحة الذهب.

وهنا تحديدًا نفهم لماذا الحديث عن الفائدة الاسمية وحدها ناقص. قد يخفض الفيدرالي الفائدة من 5% إلى 4%، لكن إذا انخفض التضخم من 4% إلى 2% في الوقت نفسه، فقد يبقى العائد الحقيقي مرتفعًا، ولا يحصل الذهب على الدعم الذي يتوقعه الجمهور. وفي المقابل، قد تبقى الفائدة الاسمية مرتفعة، لكن إذا عاد التضخم بقوة وأصبحت العوائد الحقيقية أقل، يتحسن موقف الذهب. مجلس الذهب العالمي نفسه يضع العوائد الحقيقية وتوقعات السياسة النقدية والدولار ضمن المحركات الأساسية لتدفقات الاستثمار نحو الذهب، ويشير إلى أن ارتفاع العوائد الحقيقية يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.

إذًا، أول بيئة يحبها الذهب هي انخفاض العائد الحقيقي، لا مجرد انخفاض الفائدة المكتوبة في عنوان الخبر.

العامل الثاني هو الدولار. الذهب عالميًا مقوّم بالدولار، ولهذا عندما يضعف الدولار تصبح الأونصة أرخص نسبيًا لحائزي العملات الأخرى، ويرتفع الطلب عليها في كثير من الحالات. لكن العلاقة ليست ميكانيكية أيضًا. ففي مقالات سابقة تحدثنا طويلًا عن أن ضعف مؤشر الدولار لا يفسر وحده كل صعود الذهب، لأن DXY يقارن الدولار بعملات ورقية أخرى قد تكون هي نفسها تتعرض للتوسع النقدي والتضخم. لذلك الدولار مهم، لكنه جزء من الصورة، لا الصورة كلها.

وهنا أصل إلى العامل الثالث، وهو ربما الأكثر أهمية على المدى الطويل: الثقة.

الذهب يصعد بقوة عندما يبدأ المستثمر بالتشكيك في جودة الشيء الذي يحتفظ به بدلًا منه. قد يكون الشك في العملة، أو في قدرة الحكومات على إدارة الدين، أو في سلامة النظام المصرفي، أو في استقرار النظام السياسي والجيوسياسي. ولهذا قلت في مقال سابق إن دوافع الذهب التي تبدو مختلفة ـ الدين، الحرب، ضعف الدولار، المخاوف المالية ـ تعود في النهاية إلى كلمة واحدة: الثقة.

لكن حتى الخوف لا يكفي وحده. وهذه نقطة يغفل عنها كثيرون. في اللحظة الأولى من الأزمات العنيفة قد يهبط الذهب بدل أن يصعد، لأن المستثمرين لا يبحثون وقتها عن الأمان فقط، وإنما عن السيولة. الصناديق التي تتلقى طلبات تغطية الهامش قد تبيع الذهب الجيد مع الأصل السيئ لأنها تحتاج إلى النقد فورًا. ولهذا رأينا تاريخيًا أن الذهب قد يتعرض للبيع في بداية بعض الانهيارات، ثم ينفصل لاحقًا عن الأسهم ويبدأ بالصعود عندما تتحول الأزمة من مشكلة سيولة إلى مشكلة ثقة وسياسة نقدية. وهذه الفكرة نفسها استخدمناها عند دراسة سلوك الذهب حول الفقاعات المالية.

إذن الحرب لا ترفع الذهب لأنها حرب.

الحرب ترفع الذهب عندما تزيد عدم اليقين، أو تهدد التجارة والطاقة، أو ترفع التضخم، أو تدفع البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر توسعًا، أو تجعل المستثمرين أقل ثقة بالأصول الورقية. فإذا وقعت حرب، وفي الوقت نفسه ارتفع الدولار والعوائد الحقيقية واضطر المستثمرون إلى بيع الأصول للحصول على السيولة، قد يهبط الذهب أولًا رغم أن العناوين كلها تقول إنه «ملاذ آمن».

الأمر نفسه ينطبق على التضخم. الجمهور يختصر المسألة بعبارة: التضخم يرتفع، إذًا الذهب يصعد. لكنها ليست قاعدة. إذا ارتفع التضخم واستجاب الفيدرالي برفع الفائدة أسرع منه، فترتفع العوائد الحقيقية ويقوى الدولار، قد يتعرض الذهب للضغط. أما إذا ارتفع التضخم وأصبح البنك المركزي عاجزًا أو مترددًا في ملاحقته، تبدأ النقود بفقدان جزء من قوتها الشرائية أسرع من العائد الذي يحصل عليه حاملها، وهنا تصبح قصة الذهب أقوى بكثير.

ولهذا أرى أن الذهب لا يراهن على التضخم نفسه، بل على فشل السياسة النقدية في التعامل معه دون إحداث مشكلة أخرى.

وهنا نصل إلى السيولة. هذه ربما أكثر قوة يساء فهمها في السوق. عندما تتوسع السيولة النقدية، أو تنخفض تكلفة المال، أو تبدأ السلطات بالتدخل لتهدئة أسواق التمويل والسندات، يصبح أمام رأس المال خيارات جديدة. لا يعني ذلك أن كل دولار جديد سيذهب إلى الذهب؛ جزء سيذهب للأسهم والعقار والسندات والأعمال. لكن البيئة تصبح أكثر ملاءمة للأصول التي تستفيد من انخفاض العائد النقدي ومن الخوف من تآكل القوة الشرائية.

وهذا ما رأيناه مؤخرًا مع عمليات إعادة شراء السندات الأميركية. العملية نفسها ليست تيسيرًا كميًا، لكن عندما شاهد السوق الخزانة تتحرك بعد ارتفاع العوائد الطويلة إلى مستويات مؤلمة، فهم شيئًا أكبر من حجم المشتريات: هناك مستوى تصبح عنده تكلفة الدين حساسة بما يكفي لكي تتدخل السلطات. وعندما هبطت العوائد وتراجع الدولار، حصل الذهب على الشرارة التي كانت بنيته الفنية جاهزة لها أصلًا.

ولهذا لا أرى أن الذهب صعد بسبب «خبر السندات» فقط. كان لدينا قبل الخبر قاع فني محتمل في منطقة 3,800–4,200، وفوليوم متراكم، واحتمالات كسر تتراجع وفق النماذج التي استخدمناها، وإغلاقات أعلى 4,200 ثم 4,300 بدأت تؤكد عودة الاتجاه. الخبر لم يصنع كل هذا، وإنما فتح الباب أمام السيولة لكي تتفاعل معه بسرعة. وهذه نقطة كررناها في مقالاتنا السابقة: هدوء الذهب لا يعني غياب الاتجاه، بل قد يعني أن السوق ينتظر العامل الذي يكسر التوازن.
ثم لدينا عامل مختلف كليًا عن المضاربين والفيدرالي: البنوك المركزية.
هذه الجهات لا تشتري الذهب لأنها تتوقع حركة الأسبوع المقبل، ولا لأنها شاهدت نموذجًا فنيًا على الشارت. هي تدير احتياطيات لعقود، ولذلك يصبح قرارها أكثر ارتباطًا بالتنويع، ومخاطر العملات، والعقوبات، والاستقلال عن التزامات الدول الأخرى. وهنا حدث تحول لا يمكن تجاهله؛ فقد بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية نحو 289 طنًا في الربع الثاني من 2026، بينما أظهر مسح مجلس الذهب العالمي أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون ارتفاع إجمالي احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، و45% يتوقعون زيادة احتياطيات مؤسساتهم نفسها.

هذا الطلب لا يعني أن الذهب سيصعد كل يوم، لكنه يصنع ما أحب أن أسميه أرضية بنيوية للطلب. فهناك فرق كبير بين مضارب اشترى اليوم وقد يبيع غدًا، وبنك مركزي يغير تركيب احتياطياته على مدى سنوات.

وعندما نجمع كل ما سبق، تبدأ إجابة سؤال «متى يصعد الذهب؟» بالوضوح.

الذهب يكون في أفضل بيئاته عندما تنخفض العوائد الحقيقية، يضعف الدولار، تتوسع السيولة، ترتفع المخاطر السياسية والمالية، ويزداد الطلب الاستراتيجي من المستثمرين والبنوك المركزية. ولا يجب أن تجتمع هذه العوامل كلها في اللحظة نفسها، لكن كلما اجتمع عدد أكبر منها أصبح الاتجاه أقوى وأكثر قابلية للاستمرار.

والعكس صحيح أيضًا. الاقتصاد القوي، والعوائد الحقيقية المرتفعة، والدولار القوي، واستقرار النظام المالي، وانخفاض المخاطر الجيوسياسية هي بيئة أصعب على الذهب. وهذا ما يوضحه أيضًا مجلس الذهب العالمي في سيناريوهاته؛ فالنمو القوي وارتفاع أسعار الفائدة والدولار يمكن أن تضغط على الذهب، بينما التباطؤ الاقتصادي وانخفاض الفائدة وارتفاع المخاطر يوفر بيئة أكثر دعمًا له.

لكن هناك قاعدة أخيرة أراها أهم من كل ما سبق: السوق لا يتحرك بناءً على الظروف فقط، بل بناءً على الفرق بين الظروف وما كان يتوقعه مسبقًا.

إذا كان الجميع يعرف أن الفيدرالي سيخفض الفائدة، فقد يكون جزء كبير من أثر الخفض موجودًا في سعر الذهب قبل الاجتماع. وإذا اندلعت حرب كان السوق يسعّر احتمالها منذ أسابيع، قد لا تحدث الحركة التي ينتظرها الجمهور. وإذا جاء تضخم عند 3% بينما كان الجميع يخاف من 4%، قد يرتفع الذهب رغم أن التضخم نفسه ما يزال مرتفعًا، لأن الرقم كان أفضل من الخوف الذي سبقه.

ولهذا، الخبر ليس السؤال.

السؤال دائمًا: ماذا كان السوق يتوقع قبل الخبر؟

وهذه النقطة هي التي تربط الاقتصاد بالتحليل الفني. الاقتصاد يخبرنا لماذا يمكن أن يصبح الذهب جذابًا، أما السعر والفوليوم والإحصاء فيخبروننا إن كانت الأموال بدأت تتصرف بناءً على هذه القناعة أم لا. أن تعرف أن الديون مرتفعة لا يكفي لكي تشتري الذهب غدًا، كما أن رؤية نموذج راية لا تكفي لكي تتجاهل العوائد والدولار. كل علم يرى جزءًا من الصورة.

وفي الخلاصة، الذهب لا يصعد عندما تقع الحرب فقط، ولا عندما يرتفع التضخم فقط، ولا عندما يخفض الفيدرالي الفائدة فقط. هذه مجرد أخبار. الذهب يصعد أساسًا عندما تبدأ تكلفة الاحتفاظ بالمال والسندات في الارتفاع مقارنة بالفائدة الحقيقية التي تمنحها، أو عندما تبدأ الثقة بتلك البدائل في الانخفاض.

حينها يضعف العائد الحقيقي، أو يضعف الدولار، أو تتوسع السيولة، أو يرتفع الخوف، أو تدخل البنوك المركزية كمشترٍ طويل الأجل.

وعندما تجتمع أكثر من واحدة من هذه القوى في الوقت نفسه، يبدأ الذهب ببناء الاتجاه.

ثم يأتي الخبر…

ويعتقد الجميع أن الصعود بدأ للتو.

بينما في الحقيقة، الذهب غالبًا يبدأ بالصعود قبل أن يفهم الجمهور لماذا.

لهذا، إذا أردت معرفة متى يصعد الذهب، لا تسأل أولًا: ما الخبر القادم؟ اسأل: ماذا يحدث للعائد الحقيقي، والدولار، والسيولة، والثقة؟

فهذه هي اللغة التي يفهمها الذهب فعلًا.

#الذهب #الدولار #الفيدرالي #الفائدة #الفضة #Gold #XAUUSD #Silver #FederalReserve #InterestRates #JacksonHole #Investing #Markets