موجة بيع عالمية للسندات
خلال الأسابيع الماضية حدث شيء أكبر بكثير من مجرد ارتفاع عائد السند الأميركي. موجة بيع ضربت عددًا من أكبر أسواق السندات الحكومية في العالم في الوقت نفسه: الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا وبريطانيا. ارتفعت العوائد إلى مستويات لم نشاهد بعضها منذ عقود، وانخفضت أسعار السندات، وبدأ السوق يطرح سؤالًا كان قبل سنوات يبدو غريبًا: هل المشكلة اليوم في مستوى الفائدة فقط… أم في كمية الديون التي يُطلب من العالم تمويلها أصلًا؟
لفهم ما يحدث، يجب أولًا تذكّر قاعدة بسيطة: عندما تُباع السندات ينخفض سعرها ويرتفع عائدها. لذلك عبارة «موجة بيع في السندات» تعني عمليًا أن المستثمرين أصبحوا يطلبون فائدة أعلى حتى يقبلوا إقراض الحكومات.
وهنا تبدأ المشكلة.
في الولايات المتحدة وصل عائد سند الثلاثين عامًا في 18 أغسطس إلى نحو 5.33%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، بينما اقترب عائد العشر سنوات من 4.7%. الأمر لم يكن أميركيًا فقط؛ عائد السند الياباني لعشر سنوات اقترب من 3%، وهو أعلى مستوى في نحو ثلاثة عقود، بينما تجاوز عائد الثلاثين عامًا في اليابان 4%. وفي أوروبا سجل العائد الألماني لعشر سنوات أعلى مستوياته منذ 2011، وارتفعت العوائد الفرنسية إلى مستويات لم تظهر منذ 2008، بينما اقتربت تكلفة الاقتراض البريطانية لثلاثين عامًا من أعلى مستوياتها منذ 1998.
أي إننا لم نكن أمام مشكلة تخص دولة واحدة.
العالم كله تقريبًا أصبح يطلب سعرًا أعلى مقابل إقراض الحكومات.
لماذا؟
الأسباب تختلف قليلًا بين بلد وآخر، لكنها تجتمع حول أربعة أمور: التضخم، الدين، الإنفاق الحكومي، وعدم اليقين بشأن مستقبل الفائدة.
في الولايات المتحدة تجاوز الدين العام حاجز 40 تريليون دولار، بينما تحتاج الحكومة إلى إصدار كميات ضخمة من السندات لتمويل العجز وتجديد الديون القديمة. وفي الوقت نفسه، أصبحت شركات التكنولوجيا نفسها تقترض بمبالغ هائلة لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أي إن الحكومات لم تعد وحدها التي تبحث عن رأس المال. هناك كمية ضخمة من الأوراق تطارد العدد نفسه من المشترين تقريبًا.
والمشتري ليس جمعية خيرية.
إذا أردت منه أن يمسك سندًا لمدة ثلاثين سنة، بينما يرى التضخم والحرب والدين والعجز أمامه، سيقول لك ببساطة: أعطني عائدًا أعلى.
وهذا تمامًا ما حدث.
في اليابان المشكلة مختلفة قليلًا، لكنها تصل إلى النتيجة نفسها. التضخم عاد بعد عقود طويلة من الأسعار الهادئة، وبنك اليابان أصبح أقرب إلى المزيد من رفع الفائدة، لذلك وصل عائد السند الياباني لعشر سنوات مؤخرًا إلى 2.93%. وهذا المستوى بدأ يجعل السند الياباني جذابًا من جديد حتى لبعض المستثمرين الأجانب.
وهنا يوجد أثر جانبي مهم جدًا على أميركا.
اليابان تاريخيًا واحدة من أكبر مالكي السندات الأميركية. فإذا أصبح المستثمر الياباني قادرًا على الحصول على عائد جيد داخل بلده، لماذا يتحمل دائمًا مخاطر العملة ويتجه إلى الولايات المتحدة؟ بالفعل، أظهرت البيانات الأخيرة تراجع حيازات أجنبية للسندات الأميركية، بقيادة اليابان وبريطانيا والصين في إحدى القراءات الأخيرة.
أما ألمانيا، فالقصة مرتبطة بانتقالها إلى مرحلة إنفاق أكبر على الدفاع والبنية التحتية. الحكومة نفسها تتوقع اقتراض مئات المليارات من اليورو خلال السنوات القادمة، وعائد الثلاثين عامًا الألماني وصل إلى نحو 3.79%، وهو الأعلى منذ 2011. أي إن حتى ألمانيا، التي كانت لسنوات رمزًا للانضباط المالي الأوروبي، دخلت مرحلة أصبح فيها السوق يطلب ثمنًا أعلى مقابل تمويلها.
أضف إلى ذلك بريطانيا وفرنسا، والنتيجة تصبح واضحة:
هناك منافسة عالمية متزايدة على رأس المال.
الحكومات تريد المال.
الشركات تريد المال.
مشاريع الدفاع تريد المال.
الذكاء الاصطناعي يريد المال.
وفي الوقت نفسه يخشى المستثمر أن يبقى التضخم أعلى مما اعتاد عليه العالم خلال العقد السابق.
ولهذا ترتفع تكلفة المال.
لكن ما علاقة كل هذا بالذهب؟
هنا تصبح القصة غريبة قليلًا، لأن موجة بيع السندات قد تكون سيئة وممتازة للذهب في الوقت نفسه، حسب المرحلة التي ننظر إليها.
على المدى القصير هي سيئة غالبًا.
إذا ارتفع عائد سند أميركي طويل الأجل إلى أكثر من 5%، سيقول المستثمر: لماذا أحمل الذهب الذي لا يعطيني فائدة، بينما أستطيع الحصول على عائد مرتفع من سند حكومي؟
هذه هي تكلفة الفرصة البديلة التي تحدثنا عنها سابقًا. كلما ارتفعت العوائد الحقيقية، أصبح السند أكثر جاذبية نسبيًا، ويزداد الضغط على الذهب.
وهذا ليس تنظيرًا.
في 18 أغسطس، عندما قفزت عوائد الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، تراجع الذهب نحو 1.1%.
ثم حدث العكس تمامًا في اليوم التالي.
الخزانة الأميركية أعلنت مضاعفة بعض عمليات إعادة شراء السندات الطويلة من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار على الأقل لكل عملية. ارتفعت أسعار السندات، وهبط عائد الثلاثين عامًا من 5.34% إلى قرابة 5.18%، وتراجع عائد العشر سنوات أيضًا.
ماذا فعل الذهب؟
قفز أكثر من 3% في الجلسة نفسها، بالتزامن مع هبوط العوائد والدولار.
وهنا لديك العلاقة مختصرة أمامك.
العوائد ترتفع بقوة → الذهب يتعرض للضغط.
العوائد تهبط → تكلفة الاحتفاظ بالذهب تنخفض → الذهب يحصل على مساحة للصعود.
لكن لو كانت القصة بهذه السهولة لما احتجنا مقالًا.
لأن هناك نقطة تتحول عندها العوائد المرتفعة من عدو للذهب إلى سبب لشراء الذهب.
وهي اللحظة التي يبدأ فيها المستثمر بالسؤال:
لماذا ترتفع العوائد أصلًا؟
إذا كانت ترتفع لأن الاقتصاد قوي والفيدرالي يرفع الفائدة والتضخم تحت السيطرة، فهذا سلبي واضح للذهب.
لكن إذا كانت ترتفع لأن المستثمر أصبح يخاف من حجم الدين، والعجز، والتضخم، وكمية السندات التي تصدرها الحكومة… فالأمر مختلف.
هنا لا يقول السوق: السند الأميركي ممتاز ولذلك أريد عائدًا أكبر.
بل قد يقول:
لن أحمل هذا الدين لثلاثين سنة إلا إذا دفعت لي أكثر مقابل المخاطرة.
وهذا فرق ضخم.
بل إن تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أظهرت أن ما يسمى علاوة الأجل على سند العشر سنوات وصلت إلى نحو 80 نقطة أساس، قريبة من أعلى مستوى لها في 12 عامًا. أي إن جزءًا متزايدًا من العائد ليس توقعًا للفائدة فقط، بل تعويض يطلبه المستثمر مقابل الاحتفاظ بالدين مدة طويلة في بيئة أكثر غموضًا.
وهنا تبدأ المنطقة التي يحبها الذهب.
لأن الذهب لا يمثل دينًا على أحد.
الأونصة لا تحتاج إلى حكومة تدفع فائدتها.
ولا تحتاج إلى ميزانية تمررها في الكونغرس.
ولا تحتاج إلى إصدار سند جديد لسداد القديم.
ولهذا، عندما يتحول سوق السندات من مكان للأمان إلى مكان للنقاش حول استدامة الدين، يبدأ الذهب بالحصول على وظيفة مختلفة تمامًا.
والمفارقة أن الحكومة الأميركية أصبحت الآن تحاول تخفيف العوائد الطويلة بنفسها.
بعد وصول الثلاثين عامًا إلى 5.34%، أعلنت الخزانة زيادة عمليات إعادة الشراء، وقال وزير الخزانة إن البرامج يمكن أن تتوسع أكثر إذا اقتضت الظروف. الخطوة صغيرة جدًا مقارنة بسوق خزانة يتجاوز 32 تريليون دولار، ولا تحل العجز ولا تلغي الدين، لكنها تقول للسوق شيئًا مهمًا: واشنطن نفسها أصبحت حساسة تجاه مستوى العوائد الطويلة.
وهنا تصبح الحكومة أمام معادلة ليست مريحة.
إذا تركت العوائد ترتفع، تصبح خدمة 40 تريليون دولار من الدين أكثر تكلفة، وترتفع فوائد الرهن العقاري وتمويل الشركات.
وإذا حاولت خفض العوائد عبر تدخلات متكررة، قد يفسر السوق ذلك على أنه نوع من الضغط على سعر المال، فيبدأ جزء من التعديل بالانتقال إلى الدولار.
ولهذا تحولت عمليات الخزانة الأخيرة إلى نقاش عن احتمال إضعاف الدولار، وذكرت Citi أنها أصبحت تفضّل الذهب مع البيع على الدولار في ظل احتمال تدخل أكبر في سوق العوائد الطويلة.
وهذه النقطة بالذات تجعلني أرى أن أزمة السندات الحالية تحمل للذهب وجهين.
الوجه الأول قصير الأجل: ارتفاع العوائد يضغط عليه.
ورأينا هذا مجددًا يوم الجمعة بعد خطاب كيفن وورش في جاكسون هول. عندما فهم السوق كلامه بشكل متشدد وارتفعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر، قفز عائد السنتين بنحو 13 نقطة أساس، ارتفع الدولار، وتراجع الذهب أكثر من 3%.
أما الوجه الثاني فهو طويل الأجل: لماذا أصبحت العوائد مرتفعة إلى هذا الحد رغم أن الاقتصاد العالمي ليس في طفرة استثنائية؟
الدين.
التضخم.
الحروب.
الإنفاق.
كمية الإصدارات.
وارتفاع التعويض الذي يطلبه المستثمر كي يقرض الحكومات.
وهذه كلها تقريبًا أسباب تعيد الذهب إلى الواجهة على المدى الأبعد.
لذلك لا أقرأ موجة بيع السندات الحالية على أنها خبر سلبي أو إيجابي للذهب فقط.
أقرأها كمراحل.
في المرحلة الأولى، تُباع السندات، ترتفع العوائد، فيتلقى الذهب الضربة.
إذا استمرت العوائد بالصعود، تبدأ بالضغط على الاقتصاد والأسهم والعقار وميزانيات الحكومات.
ثم يأتي السؤال: هل تستطيع البنوك المركزية والحكومات تحمل هذه العوائد؟
إذا كانت الإجابة لا، تبدأ محاولات التهدئة: شراء سندات، تغيير تركيب الإصدارات، خفض فائدة لاحقًا، أو سياسات توفر سيولة أكبر.
وهنا يبدأ الذهب باستعادة أفضلية كبيرة.
بمعنى آخر:
مشكلة الذهب اليوم هي ارتفاع العوائد.
لكن إذا خرجت العوائد عن السيطرة…
قد تصبح المشكلة نفسها أكبر سبب لصعود الذهب غدًا.
لهذا، من يريد متابعة الذهب خلال المرحلة المقبلة لا يجب أن يراقب أونصة الذهب فقط.
راقب عائد السنتين لترى ماذا يتوقع السوق من الفيدرالي.
راقب العشر سنوات لترى ماذا يقول السوق عن التضخم والنمو.
وراقب الثلاثين عامًا لترى مقدار الثمن الذي يطلبه المستثمر مقابل إقراض الحكومة الأميركية لعقود.
لأن أهم سؤال في السوق اليوم لم يعد:
كم يبلغ الدين الأميركي؟
بل:
كم يجب أن تدفع أميركا للعالم حتى يستمر في شراء هذا الدين؟
وإذا استمر جواب السوق بالصعود، فلن تبقى القصة قصة سندات فقط.
ستصبح قصة دولار.
وفائدة.
واقتصاد.
وفي النهاية…
قصة ذهب.
يتبع...
#الذهب #الدولار #الفضة #الفيدرالي #الفائدة #الاستثمار #Gold #Silver #XAUUSD #Fed #InterestRates #Investing #Markets #AIStocks #Nvidia