الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

هناك سؤال يتكرر كلما تحرك الذهب بقوة: إذا كان الذهب يصعد لهذه الأسباب كلها، فلماذا لا تصعد الفضة معه بالسرعة نفسها؟

والسؤال يبدو منطقيًا جدًا للوهلة الأولى، لأن الذهب والفضة عاشا آلاف السنين بوصفهما أقرب معدنين إلى مفهوم المال. كلاهما نادر، وكلاهما استخدم تاريخيًا كوسيلة لحفظ القيمة والتبادل، وحتى اليوم ما زالت العلاقة السعرية بينهما واحدة من أقدم العلاقات التي يتابعها المستثمرون في المعادن. لكن الخطأ يبدأ عندما نعامل الفضة وكأنها «ذهب بسعر أرخص». الفضة لديها شخصية مختلفة تمامًا؛ نصفها تقريبًا يعيش في عالم الذهب، والنصف الآخر يعيش في المصانع والطاقة والسيارات والإلكترونيات ومراكز البيانات.

ولهذا كنت أقول في مقال سابق إن الذهب يسمع الخوف أولًا، بينما الفضة تحتاج إلى أن تسمع الخوف وترى الصناعة وتشعر بالسيولة في الوقت نفسه. الذهب يستطيع أن يصعد فقط لأن المستثمر أصبح أقل ثقة بالدولار أو السندات أو النظام المالي. أما الفضة، فحتى عندما تستفيد من الخوف نفسه، يبقى السوق يسألها سؤالًا إضافيًا: ماذا يحدث للاقتصاد الحقيقي؟

وهذه هي بداية فهم العلاقة بين المعدنين.

عندما يخاف المستثمر من التضخم، أو ضعف الدولار، أو الدين، أو السياسة النقدية، تبدأ الأموال عادة بالتحرك نحو الذهب أولًا. الذهب أصل نقدي أكثر نقاءً من الفضة؛ البنوك المركزية تشتريه كاحتياطي، ولا يحتاج إلى نمو صناعي حتى يبرر الطلب عليه. لذلك في المراحل الأولى من الخوف نرى أحيانًا الذهب يسبق الفضة، فتتسع نسبة الذهب إلى الفضة، ويبدأ الجمهور بالسؤال: هل انفصل المعدنان عن بعضهما؟

غالبًا لا.

ما حدث فقط أن الذهب أخذ دوره أولًا.

ثم إذا استمر الصعود، وبدأ المستثمر يبحث عن معدن أرخص نسبيًا، وتحسنت السيولة، وبدأت شهية المخاطرة تعود قليلًا، تنتقل الأموال تدريجيًا إلى الفضة. ولهذا تاريخيًا تمتلك الفضة قدرة أكبر على التسارع بعد أن يثبت الذهب اتجاهه. دراسة حديثة لمعهد الفضة، شملت العلاقة بين المعدنين من 1970 إلى 2026، وجدت أن الارتباط السعري بين الذهب والفضة أصبح في الواقع أقوى خلال العقدين الأخيرين مع ازدياد الطابع المالي لكلا السوقين.

لكن الارتباط لا يعني التطابق.

وهذه كلمة مهمة جدًا.

قد يتحرك الذهب 10% وتتحرك الفضة 20%، ثم يحدث العكس في التصحيح؛ الذهب يهبط 5% والفضة تهبط 15%. السبب أن سوق الفضة أصغر وأكثر حساسية لحركة السيولة، ولذلك يكون التذبذب فيها أعنف. وهذا شاهدناه بوضوح خلال 2026؛ الفضة مرت بحركات عنيفة جدًا، بما في ذلك انهيار كبير في بداية العام، ثم محاولات متكررة للارتداد لم تستطع حتى الآن تثبيت نفسها بصورة مريحة فوق نطاق 70–80 دولارًا. وفي 4 سبتمبر كان السعر الفوري قرب 65.83 دولارًا للأونصة، مقابل ذهب قرب 4,419 دولارًا.

أي إن الفضة اليوم ليست أصلًا هادئًا ينتظر الذهب.

هي أصل يحاول إعادة تسعير نفسه بعنف.

لكن لكي نعرف مستقبلها، لا يكفي أن ننظر إلى الذهب فقط. يجب أن نفهم الطرف الثاني من شخصيتها: الصناعة.

الفضة واحدة من أفضل المعادن في التوصيل الكهربائي والحراري، ولهذا تدخل في الإلكترونيات، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، وشبكات الطاقة، ومراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهذه ليست قصة تسويقية اخترعها محبو الفضة؛ معهد الفضة يتوقع استمرار نمو استخدام المعدن في قطاعات مثل السيارات الكهربائية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي حتى نهاية العقد.

وهنا تحديدًا يصبح مستقبل الفضة أكثر إثارة من الذهب من ناحية، وأكثر تعقيدًا منه من ناحية أخرى.

الذهب لا يحتاج إلى مصنع حتى يصعد.

أما الفضة، فكل توسع في البنية التحتية للطاقة، والإلكترونيات، والمركبات، ومراكز البيانات يمكن أن يضيف طلبًا حقيقيًا لا علاقة له بالمضاربة.

لكن هناك وجهًا آخر للقصة يجب ألا نهرب منه. ارتفاع سعر الفضة نفسه يدفع الشركات إلى محاولة استخدام كمية أقل منها، أو البحث عن بدائل في بعض التطبيقات. وهذا ما يحدث بالفعل في قطاع الطاقة الشمسية؛ رغم استمرار نمو التركيبات الشمسية، يتوقع معهد الفضة انخفاض الطلب الصناعي الإجمالي على المعدن بنحو 2% خلال 2026 إلى قرابة 650 مليون أونصة، جزئيًا نتيجة ترشيد استخدام الفضة والاستبدال في الخلايا الشمسية.

وهذا مثال ممتاز على طبيعة الأسواق.

السعر المرتفع يحل جزءًا من المشكلة التي صنعته.

عندما تصبح الفضة غالية، تصبح الصناعة أكثر ذكاءً في استخدامها.

ومع ذلك، رغم هذا الانخفاض المتوقع في بعض الاستخدامات، ما يزال سوق الفضة متجهًا إلى عجز للعام السادس على التوالي في 2026. التقديرات تشير إلى عجز يقارب 67 مليون أونصة، بعد سنوات متتابعة استهلك فيها الطلب كمية أكبر من الإنتاج والإمدادات الجديدة. كما أن العجز التراكمي خلال هذه السنوات أصبح كبيرًا بما يكفي ليجعل السوق يعتمد جزئيًا على المخزونات الموجودة فوق الأرض لتغطية الفارق.

وهنا تتشكل بالنسبة لي أهم قصة في مستقبل الفضة.

الذهب لديه قصة نقدية قوية.

الفضة لديها القصة النقدية نفسها تقريبًا، ولكن فوقها سوق مادي يعيش أصلًا سنوات من العجز.

وهذا لا يعني أن السعر يجب أن يرتفع غدًا، ولا أن العجز يؤدي بصورة آلية إلى انفجار الأسعار. فالأسواق تستطيع أن تبقى في عجز سنوات طالما توجد مخزونات يمكن سحبها، كما أن الأسعار المرتفعة نفسها تجذب إعادة التدوير وتخفض بعض الطلب.

لكن لا يمكن أيضًا تجاهل الفكرة: إذا استمر الطلب الاستثماري، وبقي العجز المادي، وعاد الطلب الصناعي إلى التسارع في قطاعات أخرى، يصبح السوق أكثر حساسية لأي موجة شراء جديدة.

والاستثمار نفسه عاد بقوة. معهد الفضة يتوقع ارتفاع الاستثمار المادي في السبائك والعملات بنحو 20% خلال 2026 إلى قرابة 227 مليون أونصة، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات. وهذا مهم لأن الفضة عندما تجمع في الوقت نفسه بين الطلب الصناعي والطلب الاستثماري، تبدأ شخصيتها المختلفة عن الذهب بالظهور بصورة أوضح.

وهنا نعود إلى نسبة الذهب إلى الفضة.

هذه النسبة تقول ببساطة: كم أونصة فضة تحتاج لكي تشتري أونصة ذهب؟

إذا كانت النسبة 80، فهذا يعني أن أونصة الذهب تساوي تقريبًا 80 أونصة فضة. وإذا انخفضت إلى 50، فهذا يعني أن الفضة ارتفعت مقابل الذهب بصورة كبيرة.

في بداية 2026 هبطت النسبة مؤقتًا تحت 50 مع الارتفاع العنيف للفضة، وهو مستوى لم يظهر منذ 2012، قبل أن تنقلب الحركة بعنف وتتراجع الفضة لاحقًا.

وهذا يعلمنا درسًا مهمًا: انخفاض نسبة الذهب إلى الفضة لا يعني أن الفضة ستستمر بالتفوق إلى الأبد، وارتفاعها لا يعني أن الفضة أصبحت رخيصة بطريقة تضمن الصعود. النسبة مؤشر نسبي، وليست آلة تتنبأ بالمستقبل.

لكنها تقول شيئًا مفيدًا جدًا عن الدورة.

عادة عندما يسبق الذهب وتبقى الفضة أضعف، ترتفع النسبة. وإذا بدأت السيولة تتوسع وأصبحت شهية المستثمر أكبر للمخاطرة داخل قطاع المعادن، تبدأ الفضة بتقليص الفارق، وحينها قد تتحرك أسرع من الذهب.

ولهذا، مستقبل الفضة بالنسبة لي مرتبط أولًا بمستقبل الذهب.

إذا انتهت قصة الذهب الأساسية، وارتفعت العوائد الحقيقية طويلًا، وقوي الدولار، وتراجعت المخاطر المالية، سيكون من الصعب جدًا على الفضة أن تبدأ دورة نقدية صاعدة مستقلة عنه.

أما إذا استعاد الذهب اتجاهه، واستمرت مشاكل الدين والعوائد والسيولة والدولار التي تحدثنا عنها في مقالاتنا السابقة، فسيحصل سوق الفضة على أساس نقدي جديد للصعود. وعندها يصبح السؤال الثاني: هل الاقتصاد الصناعي يسمح لها بإضافة طبقة أخرى فوق صعود الذهب؟

وهنا أرى أن السنوات القادمة تحمل فرصة ومشكلة في الوقت نفسه.

الفرصة أن قطاعات مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والسيارات والبنية التحتية الكهربائية ستظل بحاجة إلى الفضة، ومعهد الفضة نفسه يرى هذه القطاعات من أهم مصادر النمو طويل الأجل.

أما المشكلة فهي أن ارتفاع السعر يجعل الصناعة أقل سخاءً في استخدام المعدن، ويزيد إعادة التدوير، ويشجع الاستبدال التقني، خصوصًا في الطاقة الشمسية. ولهذا لا أحب القصص التي تقول إن «العجز سيجعل الفضة بلا سقف». لا يوجد أصل بلا سقف؛ كل سعر مرتفع يبدأ مع الوقت بصناعة رد فعل اقتصادي مضاد له.

لكن رغم ذلك، الصورة البنيوية للفضة ما زالت مثيرة للاهتمام. الإنتاج المنجمي لا يستطيع التوسع بسرعة كبيرة، لأن جزءًا كبيرًا من الفضة يُنتج أصلًا كمنتج جانبي لمناجم الرصاص والزنك والنحاس والذهب، وليس من مناجم فضة مستقلة فقط. لذلك ليس من السهل أن يقول المنتجون غدًا: الفضة ارتفعت، فلنضاعف الإنتاج. توقعات 2026 تشير إلى نمو الإنتاج المنجمي بنحو 1% فقط إلى قرابة 820 مليون أونصة.

وهذه نقطة لصالح الفضة على المدى الأبعد.

إذا اجتمع طلب مالي قوي مع سوق صناعي متماسك وإمدادات بطيئة الاستجابة، تستطيع الحركة أن تصبح سريعة جدًا.

لكن على المدى القريب، لا أحب تجاهل الصورة الفنية الحالية فقط لأن القصة الأساسية جيدة. Reuters أشارت مؤخرًا إلى أن الفضة ما تزال في وضع فني هش بعد فشل عدة ارتدادات، وأن استعادة منطقة 70–80 دولارًا مهمة لكي تبدأ الصورة بالتحسن بصورة أوضح، بينما تبقى مناطق 62.5 ثم منتصف الخمسينات مناطق حساسة إذا استمر الضغط.

وهذا يتوافق تقريبًا مع الفكرة التي كررناها سابقًا: الفضة لا تحتاج فقط أن يكون الذهب جيدًا، بل تحتاج إلى أن يصدق السعر نفسه القصة.

اليوم لدينا ذهب ما يزال يحاول التعامل مع ارتفاع العوائد الأميركية واحتمال رفع الفائدة في سبتمبر، ولدينا فضة تتأثر بالعامل نفسه ولكن بدرجة أكبر بسبب تذبذبها. تقرير الوظائف الأميركي الأخير أعاد رفع احتمالات زيادة الفائدة، فارتفع الدولار والعوائد، وانخفض الذهب إلى نحو 4,419 دولارًا وتراجعت الفضة إلى 65.83 دولارًا. هذه البيئة ليست مثالية للمعادن في المدى القصير، ولهذا ستكون بيانات التضخم واجتماع الفيدرالي من أهم مفاتيح الحركة المقبلة.

لكن إذا ابتعدنا قليلًا عن الأسبوع القادم ونظرنا إلى السنوات القادمة، تصبح الصورة مختلفة.

أنا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل ستلحق الفضة بالذهب؟

أعتقد أنها تلحق به أصلًا، لكن بطريقتها.

الذهب يعيد تسعير الخوف والثقة والنقود.

الفضة تعيد تسعير ذلك كله… ثم تضيف إليه الصناعة.

ولهذا قد تتأخر أكثر، وقد تصحح بعنف أكبر، وقد تعاقب من يتعامل معها كأنها ذهب رخيص. لكنها في اللحظة التي تجتمع فيها السيولة مع الذهب الصاعد والطلب الصناعي والعجز المادي، تصبح قادرة على حركة أعنف من المعدن الذي بدأت تتبعه، وهذا ليس بالبعيد.

وهنا تكون المفارقة.

من ينظر إلى الذهب والفضة على أنهما منافسان يسأل: أيهما أفضل؟

لكن ربما السؤال نفسه خاطئ.

الذهب يخبرك ما الذي يحدث للنظام النقدي.

والفضة تخبرك ما الذي يحدث للنظام النقدي والاقتصاد الحقيقي معًا.

ولهذا لا أرى أن الذهب انتصر على الفضة، ولا أن الفضة ستنتصر على الذهب.

لأن لكل منهما دوره في الدورة السعرية

الذهب غالبًا يفتح الباب.

والفضة، إذا اكتملت ظروفها، تدخل بعده بسرعة أكبر.

ولهذا سيكون مستقبل الفضة مرتبطًا بثلاثة أشياء أكثر من أي رقم سحري: استمرار قصة الذهب، بقاء الطلب الصناعي والعجز المادي، وقدرة السعر على استعادة المناطق الفنية التي فقدها بعد تقلبات 2026.

إذا اجتمعت الثلاثة، فقد لا يكون السؤال لاحقًا لماذا تأخرت الفضة عن الذهب.

بل لماذا توقعنا أصلًا أن معدنًا يعيش بين المال والصناعة يجب أن يتحرك بهدوء؟

وتبقى النصيحة هي ألا تركز على الذهب فقط ، ولا تعتبر أن الفضة ستلحق بركب الذهب فوراً لأن لكل منهما دورة مختلفة.

عمر جاسم آلصياح

#Gold #XAUUSD #Fed #InterestRates #RateHike #TreasuryYields #Oil #OPEC #Inflation
#الذهب #الفضة