الفيدرالي يحارب التضخم… لكنه يترك سبب الذهب حيًا
«التضخم هو المشكلة.»
— كيفن وورش، رئيس الاحتياطي الفيدرالي
أعتقد أن هذه الجملة تختصر خطاب كيفن وورش الأخير أكثر من كل التفاصيل التي جاءت بعد قرار رفع الفائدة.
الفيدرالي رفع الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، والقرار جاء بالإجماع. لكن الأهم من الرقم كان تفسير وورش للقرار: الاقتصاد تحسن، سوق العمل ما زال قويًا، الإنفاق المحلي متماسك، الاستثمار الرأسمالي قوي، والظروف المالية ـ بحسب وصفه ـ لا تبدو مقيدة بصورة واسعة. وفي الجهة الأخرى، التضخم لم يقدم خلال الصيف ما يكفي لإقناع الفيدرالي بأنه يعود بثبات نحو هدف 2%.
بمعنى أبسط: من كان ينتظر أن يبدأ وورش عصر خفض الفائدة اصطدم بواقع أكثر إزعاجًا.
الفيدرالي لا يرى اقتصادًا يحتاج إلى الإنقاذ أصلًا.
وهنا تبدأ القصة التي تهم الذهب.
لماذا لا يستطيع الفيدرالي خفض الفائدة الآن؟
السوق يحب اختصار السياسة النقدية بجملة سهلة: التضخم ينخفض، إذًا الفيدرالي يخفض الفائدة. لو كانت بهذه البساطة، كان أبو عبدو جارك يدير لجنة السوق المفتوحة من القهوة.
المشكلة أن الفيدرالي لا ينظر إلى التضخم وحده. وورش قال بوضوح إن الاقتصاد أصبح أقوى، وإن سوق العمل يعمل قرب التوظيف الكامل، بينما أظهرت توقعات اللجنة أن 16 من أصل 18 عضوًا يرون رفعة إضافية واحدة على الأقل قبل نهاية العام. كما ارتفع عائد السند الأميركي لعامين بعد الاجتماع وارتفع الدولار، في إشارة واضحة إلى أن السوق قرأ الرسالة على أنها تشدد يمتد لما بعد قرار واحد.
لكن هناك عامل آخر ظهر في كلام وورش ويستحق أن نتوقف عنده: الاستثمار الرأسمالي القوي، وخصوصًا الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
هنا يجب أن نكون دقيقين. وورش لم يقل إن هناك «فقاعة ذكاء اصطناعي»، ولم يعلن أن الفيدرالي رفع الفائدة لمحاربة AI. تسمية ما يحدث بالفقاعة هي قراءتنا نحن ضمن الدراسات السابقة، وليست موقفًا رسميًا للفيدرالي.
لكن ما قاله الفيدرالي يدعم جزءًا مهمًا من فرضيتنا: قطاع الذكاء الاصطناعي أصبح يطلب كميات هائلة من رأس المال، من مراكز البيانات والرقائق إلى الطاقة والبنية التحتية. وهذه الأموال لا تأتي من كوكب آخر؛ هي تنافس الحكومة والشركات وبقية الاقتصاد على السيولة نفسها.
وهذا هو ما سميناه سابقًا حرب السيولة.
الحكومة الأميركية تريد المال لتمويل دينها، وقطاع التكنولوجيا يريد المال لتمويل مستقبل يعد المستثمرين بعوائد ضخمة. عندما يطلب الجميع رأس المال في الوقت نفسه، يجب أن يصبح سعر هذا المال أكثر جاذبية، أي أن ترتفع العوائد أو تبقى مرتفعة. وهذا تحديدًا ما تناولناه سابقًا عند ربط ارتفاع عوائد السندات بطلب الحكومة وقطاع الذكاء الاصطناعي على التمويل.
وهنا يصبح خفض الفائدة اليوم شبه متناقض مع المشهد نفسه. كيف تخفض تكلفة المال بقوة بينما الاقتصاد متماسك، التضخم ما زال مرتفعًا، والقطاع الأكثر سخونة في السوق يستهلك أصلًا كميات متزايدة من رأس المال؟
الفقاعة لا تجلب الخفض… انفجارها قد يفعل
وهنا نصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية.
إذا كانت فرضيتنا حول وجود فقاعة أو مبالغة كبيرة في دورة الذكاء الاصطناعي صحيحة، فهذا لا يعني أن الفيدرالي سيخفض الفائدة بسبب وجود الفقاعة.
العكس أقرب للمنطق.
طالما الفقاعة تتوسع، والاستثمار يتدفق، والشركات تقترض وتنفق، والطلب على رأس المال قوي، فإن هذه البيئة تساعد على إبقاء السياسة النقدية مشددة.
الخفض الحقيقي يصبح أكثر احتمالًا عندما تتغير الصورة: تتباطأ الاستثمارات، تنخفض أسعار الأصول بعنف، تظهر خسائر ائتمانية، يبدأ التمويل بالجفاف ويتحول البحث عن رأس المال إلى بحث عن النجاة.
دراساتنا السابقة التي قارنت دورات مالية مختلفة وصلت إلى الفكرة نفسها: الفيدرالي تاريخيًا لا يحتاج إلى خفض حاد لمجرد وجود المضاربة؛ الخفض الكبير يأتي عادة بعد انكسار الدورة وظهور الضرر في الائتمان والسيولة والنشاط الاقتصادي. لذلك، إذا انفجرت طفرة الذكاء الاصطناعي مستقبلًا، قد يصبح الخفض نتيجة للأزمة لا سببًا في استمرار الفقاعة.
وهذا فرق كبير.
وجود الفقاعة قد يؤخر الخفض… انفجارها قد يفرضه.
وماذا يعني كل ذلك للذهب؟
هنا علينا أن نفصل مرة أخرى بين السعر والهيكل.
بعد قرار الفيدرالي هبط الذهب أكثر من 1% ووصل قرب 4,240 دولارًا مع ارتفاع الدولار وتوقعات استمرار التشديد. هذه حركة منطقية؛ الذهب لا يدفع فائدة، وكلما ارتفعت عوائد الأصول المنافسة زادت تكلفة الاحتفاظ به. لكن في اليوم التالي عاد المعدن وارتفع بأكثر من 1% إلى قرب 4,312 دولارًا مع تراجع الدولار وإعادة المتداولين تقييم مراكزهم.
وهذه الحركة وحدها تختصر المشكلة في قراءة الذهب من الفائدة فقط.
الفيدرالي يستطيع الضغط على السعر، لكنه لم يثبت حتى الآن أنه غيّر سبب امتلاك الذهب.
الدين لم يختفِ. المنافسة على السيولة لم تختفِ. عوائد السندات ما زالت مرتفعة. المخاطر الجيوسياسية لم تنتهِ. والثقة بالمستقبل المالي الأميركي لم تصبح فجأة أفضل لأن وورش أضاف 25 نقطة أساس.
ولهذا بقيت رؤيتنا في المقالات السابقة كما هي: التشديد النقدي يستطيع إطالة التصحيح وتغيير توقيت الصعود، لكن العوامل التي صنعت الحركة الهيكلية للذهب أوسع من اجتماع واحد للفيدرالي. وضمن النموذج الفني الذي نستخدمه، ما زالت منطقة 4,000–4,200 منطقة مهمة نراقبها في حال عاد الضغط، دون اعتبارها قاعًا مضمونًا أو مستوى لا يمكن كسره.
المفارقة أن السيناريو الذي قد يكون أكثر إيجابية للذهب مستقبلًا قد يكون مؤلمًا له في بدايته. فإذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، قد يُباع الذهب أولًا لتوفير السيولة وتغطية الخسائر، قبل أن يستفيد لاحقًا من انخفاض الفائدة وعودة السيولة إلى النظام. وهذا السيناريو تحديدًا تناولته دراستنا السابقة حول أثر انفجار الفقاعة على الذهب والفضة.
لذلك لا أعتقد أن أهم ما قاله وورش هو أن الفائدة ارتفعت.
الأهم أنه أخبرنا أن الاقتصاد ما زال قويًا بما يكفي لتحمل التشديد، وأن التضخم ما زال قويًا بما يكفي لفرضه، وأن الطلب على رأس المال ما زال مرتفعًا بما يكفي ليجعل التيسير غير منطقي الآن.
وهذا سيبقى خصمًا للذهب على المدى القريب.
أما على المدى الأبعد، فالسؤال مختلف تمامًا:
ماذا سيحدث عندما يتحول سباق الجميع على السيولة من دليل قوة… إلى سبب أزمة؟
وقتها قد لا يكون وورش أمام خيار رفع الفائدة.
قد يجد نفسه مجبرًا على الاتجاه إلى الطرف الآخر.
وهنا تحديدًا يبدأ الفصل الذي سيكون أهم للذهب من قرار الأمس كله.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #الفضة #الدولار #الفيدرالي #الفائدة #السندات #التضخم #الاستثمار #الأسواق #النفط
#Gold #Silver #XAUUSD #XAGUSD #USD #Fed #FOMC #InterestRates #RateHike #TreasuryYields #Inflation #Investing #Markets #Oil