هذا الأسبوع سيبدأ السوق بتسعير الخفض القادم
«الاقتصاد عمومًا لا يهدر المعلومات.»
— جون موث، صاحب فرضية التوقعات العقلانية
واحدة من أكثر الأفكار التي غيرت فهمنا للأسواق هي نظرية التوقعات العقلانية التي طرحها الاقتصادي جون موث. الفكرة ببساطة أن المستثمر لا ينتظر الحدث حتى يقع ثم يتصرف؛ بل يستخدم المعلومات المتاحة اليوم لبناء توقعه لما سيحدث غدًا، ومن ثم يبدأ السعر بالتحرك قبل القرار نفسه.
ولهذا فإن السوق لا يعيش في الحاضر أصلًا كما يتخيل كثيرون.
الفيدرالي رفع الفائدة الأسبوع الماضي 25 نقطة أساس، والسوق لا يزال يناقش إمكانية رفع جديد في أكتوبر، بل إن توقعات أعضاء اللجنة نفسها تشير إلى احتمال زيادة أخرى قبل نهاية العام. ومع ذلك أعتقد أن السؤال الذي سيبدأ بالدخول إلى التسعير هذا الأسبوع لن يكون فقط: متى الرفعة القادمة؟
بل بالتدريج: متى ستكون آخر رفعة… ومتى يأتي أول خفض بعدها؟
وهذا لا يعني أنني أتوقع خفضًا في الاجتماع القادم، ولا يعني أن السوق أصبح مسعرًا خفضًا قريبًا. بالعكس، العقود كانت بنهاية الأسبوع الماضي تمنح احتمالًا يقارب 55% لرفع جديد في أكتوبر، والفيدرالي نفسه أكثر تشددًا مما كان عليه قبل شهر.
لكن السوق لا ينتظر الفيدرالي حتى يقول: انتهينا.
هنا تمامًا تبدأ لعبة التوقعات.
السوق لا يسعّر القرار… بل القرار الذي سيأتي بعده
لنأخذ ما حدث الأسبوع الماضي. قبل اجتماع الفيدرالي كان رفع الـ25 نقطة أساس مسعرًا بدرجة كبيرة، ولذلك لم يكن الرقم نفسه هو المفاجأة. ما كان يهم المستثمرين أكثر هو: هل سيقول كيفن وورش إننا أمام دورة رفع طويلة، أم سيترك الباب مفتوحًا؟
وورش اختار الباب المفتوح.
لم يقدم Forward Guidance، ولم يقل إن الرفع انتهى، لكنه أيضًا لم يعد السوق بأن أكتوبر سيحمل زيادة جديدة. قال بوضوح إن الاتجاهات الاقتصادية أهم من رقم واحد، وإن كل قرار سيعتمد على الظروف التي يراها الفيدرالي وقتها.
هذه الطريقة تعطي السوق مساحة أكبر لكي يصنع توقعاته بنفسه.
وهذا يعني أن كل رقم سيصدر من الآن فصاعدًا لن تتم قراءته فقط باعتباره جيدًا أو سيئًا للاقتصاد، وإنما باعتباره معلومة جديدة تجيب عن سؤالين متعاكسين: هل يحتاج الفيدرالي إلى رفع إضافي؟ أم أننا نقترب من النقطة التي يصبح عندها التشديد نفسه مشكلة؟
وهنا أعتقد أن هذا الأسبوع مهم.
السوق سيراقب مؤشرات النشاط الأميركي، وتصريحات أعضاء الفيدرالي، والنفط، وعوائد السندات التي أصبحت قريبة من 5% على عشر سنوات. كما سيبقى ملف الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة بعد عودة النقاش حول استدامة الإنفاق الضخم والتقييمات المرتفعة.
كل هذه العوامل تبدو منفصلة، لكنها في الحقيقة تجيب عن سؤال واحد:
إلى متى يستطيع الاقتصاد تحمل سعر المال الحالي؟
الرفعة القادمة والخفض القادم ليسا نقيضين
وهنا يقع كثيرون في خطأ غريب.
إذا قلت لهم إن السوق قد يبدأ بتسعير الخفض القادم، يجيبك أحدهم: كيف ذلك والفيدرالي ربما سيرفع في أكتوبر؟
عادي جدًا.
السوق يستطيع أن يتوقع رفعة إضافية، وفي الوقت نفسه يبدأ ببناء تصور عن الخفض الذي سيأتي بعد انتهاء دورة التشديد.
الفائدة ليست بابًا له وضعان فقط: رفع أو خفض.
هي دورة.
في البداية يسعّر السوق بداية الرفع، ثم يسعّر سرعتها، وبعد ذلك يبدأ بالبحث عن الفائدة النهائية، أي المستوى الذي سيتوقف عنده الفيدرالي. وما إن يبدأ هذا المستوى بالظهور حتى يتحول السؤال مباشرة إلى مدة البقاء عنده، ثم إلى توقيت أول خفض.
والذي ينتظر إعلان الخفض الرسمي حتى يفكر بالأمر يكون غالبًا آخر من وصل للحفلة.
دراسات الاحتياطي الفيدرالي نفسه أظهرت منذ سنوات أن أسواق الفائدة والسندات أصبحت قادرة على استباق تحركات السياسة النقدية بعدة أشهر. لهذا قد تبدأ عوائد السندات القصيرة بالانخفاض، أو يضعف الدولار، قبل وقت طويل من أول خفض فعلي.
السوق لا يحتاج إلى خفض الفائدة حتى يسعّر الخفض؛ يكفي أن يقتنع أن الرفع وصل إلى نهايته.
وهذه الجملة هي الأهم في المقال كله.
وما علاقة ذلك بالذهب؟
هنا يصبح الموضوع أكثر إثارة.
الذهب تعرض خلال الأسابيع الماضية لضغط واضح لأن السوق انتقل بسرعة من توقع تثبيت الفائدة إلى توقع دورة تشديد جديدة. ارتفاع العوائد والدولار رفع تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب، ولذلك رأينا المعدن يتراجع بقوة قبل اجتماع الفيدرالي.
لكن ما حدث بعد الاجتماع يستحق الانتباه.
رغم رفع الفائدة، أنهى الذهب الجمعة قرب 4,390 دولارًا للأونصة، وسجل أول ارتفاع أسبوعي له بعد أربعة أسابيع من الخسائر. تراجع النفط خفف قليلًا من توقعات التضخم، وتراجعت بعض العوائد، فبدأ جزء من المراكز التي راهنت على هبوط الذهب بعد الفيدرالي بالخروج.
هذا لا يعني أن الضغط انتهى.
إذا عاد النفط للصعود، وجاءت البيانات قوية، وبدأ السوق بتسعير عدة رفعات إضافية، يستطيع الذهب أن يعود تحت الضغط بسهولة.
لكن هناك النقيض أيضًا.
إذا بدأ الاقتصاد يُظهر إشارات تباطؤ، أو ظهرت مشكلات في قطاع الذكاء الاصطناعي والائتمان، أو بدأت العوائد المرتفعة تضغط فعليًا على النشاط، سيتغير السؤال في السوق بسرعة من «كم سيرفع وورش؟» إلى «متى سيضطر وورش إلى التراجع؟»
والذهب لن ينتظر قرار الخفض كي يتفاعل.
تمامًا كما هبط قبل رفع الفائدة لأن السوق توقع الرفع، قد يبدأ بالصعود قبل الخفض لأن السوق يتوقع الخفض.
وهذا هو قانون التوقعات نفسه.
من يراقب الفيدرالي فقط… ينظر إلى المرآة الخلفية
الفيدرالي اليوم متشدد، وهذه حقيقة. التضخم ما زال مرتفعًا، الاقتصاد متماسك، واللجنة نفسها تشير إلى إمكانية رفع إضافي. تجاهل ذلك لمجرد أننا إيجابيون تجاه الذهب سيكون تحليلًا انتقائيًا.
لكن الاعتقاد بأن دورة الفائدة تتحرك في خط مستقيم إلى الأبد ليس تحليلًا أيضًا.
الفائدة المرتفعة تعالج التضخم، لكنها في الوقت نفسه تضغط على الائتمان، الاستثمار، الشركات، الإسكان والدين الحكومي. وكل زيادة جديدة تجعل العلاج أقوى… وتجعل آثاره الجانبية أقوى أيضًا.
لذلك أعتقد أن هذا الأسبوع سيكون بداية انتقال نفسي مهم في السوق.
لن يختفي الحديث عن الرفع.
لكن إلى جانبه سيبدأ سؤال جديد بالنمو:
أين تنتهي دورة التشديد؟
وعندما يبدأ السوق بالإجابة عن هذا السؤال، يكون قد بدأ فعليًا بتسعير الخفض الذي سيأتي بعدها، حتى لو كان ذلك الخفض بعيدًا بعدة اجتماعات.
لهذا بالنسبة للذهب، لا أراقب متى يخفض الفيدرالي فقط.
أراقب اللحظة التي يبدأ فيها السوق بالاقتناع أن الرفع لم يعد يستطيع الاستمرار طويلًا.
لأن الذهب، مثل بقية الأسواق، لا ينتظر المستقبل حتى يصل.
هو يبدأ بتسعيره قبل أن يحدث.
يتبع...
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #الفيدرالي #الفائدة #الدولار #السندات