لماذا لم ينخفض الذهب رغم رفع الفائدة؟
«الأسواق لا تنتظر الأحداث… بل تحاول أن تسبقها.»
— صياغة مبسطة لفكرة التوقعات العقلانية عند جون موث
دعونا نبدأ بتصحيح صغير قبل بناء الفكرة كلها: الذهب انخفض فعلًا بعد رفع الفيدرالي الفائدة، وهبط مؤقتًا بأكثر من 1% قرب 4,240 دولارًا، لكنه لم يبقَ هناك. خلال الجلسات التالية عاد فوق 4,300 دولار، وأنهى الجمعة قرب 4,390 دولارًا، محققًا أول مكسب أسبوعي له بعد أربعة أسابيع من التراجع.
وهنا السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يتأثر الذهب برفع الفائدة؟
بل: لماذا رفض الذهب أن يحتفظ بالخسارة التي يفترض نظريًا أن يسببها رفع الفائدة؟
الإجابة، برأيي، موجودة في المقال السابق عن التوقعات العقلانية. السوق لا يسعّر ما فعله الفيدرالي فقط، وإنما يحاول منذ اللحظة نفسها معرفة ماذا سيفعل بعد ذلك.
وهنا تبدأ قصة 2027.
الذهب تجاوز قرار سبتمبر وبدأ ينظر لما بعد دورة الرفع
رفع كيفن وورش الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، والفيدرالي نفسه يتوقع وفق أحدث مخطط للنقاط رفعة إضافية قبل نهاية 2026، ثم بقاء متوسط الفائدة عند نحو 4.1% خلال 2027. رسميًا، إذًا، الفيدرالي لا يعد السوق بخفض في العام القادم أصلًا.
لكن السوق لا يعيش داخل مخطط النقاط.
وهنا يظهر التناقض المثير للاهتمام.
Citigroup، مثلًا، يتوقع أن تبدأ التخفيضات في يونيو 2027، ثم تخفيضين آخرين في سبتمبر وديسمبر. Goldman Sachs أيضًا كان قد نقل توقعاته إلى تخفيضات خلال 2027 مع افتراض تراجع التضخم واستقرار الاقتصاد لاحقًا.
إذن لدينا فدرالي يقول حاليًا: لا أرى خفضًا في 2027.
وفي الجهة الأخرى مؤسسات تقول: عندما تصل دورة التشديد إلى نهايتها وتتغير البيانات، قد يبدأ الخفض خلال 2027.
من منهما على حق؟
لا نعرف بعد.
لكن هذا بالضبط هو عمل السوق: التسعير يبدأ قبل أن نحصل على الإجابة.
ولذلك ربما يكون الخطأ أن ننظر إلى الذهب ونقول: الفائدة ارتفعت، لماذا لا ينهار؟
لأن الذهب لا يتداول فقط على فائدة سبتمبر 2026. جزء من المستثمرين يحاول أن يسعّر الاقتصاد الذي قد نراه بعد ستة أشهر أو سنة.
هنا تدخل فقاعة الذكاء الاصطناعي إلى القصة
هناك سبب يجعل 2027 مهمًا في هذه القراءة، وهو الذكاء الاصطناعي.
في دراساتنا السابقة افترضنا أن طفرة الـAI قد تمر في مرحلة يصبح فيها الإنفاق، التقييم، والتمويل أكبر من قدرة الاقتصاد على تحويل كل هذا الاستثمار إلى عوائد بنفس السرعة. هذه فرضية تحليلية وليست حقيقة مثبتة، لكن ما يحدث حاليًا يجعل مراقبتها أكثر أهمية.
خلال سبتمبر تعرضت أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لضغوط قوية؛ مؤشر أشباه الموصلات هبط بنحو 5% في جلسة واحدة بعد دعوات من قيادات في القطاع لإبطاء تطوير النماذج، كما أُجّل طرح OpenAI المتوقع إلى 2027. Reuters أشارت أيضًا إلى أن جزءًا متزايدًا من الإنفاق على البنية التحتية للـAI يعتمد على الدين وتمويلات ضخمة في وقت ترتفع فيه أصلًا تكلفة رأس المال.
لكن النقيض مهم جدًا.
هذا لا يعني أن الفقاعة انفجرت.
الاستثمارات ما زالت هائلة، شركات القطاع ما زالت تجمع رأس المال، والمنافسة بين OpenAI وAnthropic وGoogle وغيرها ما زالت شرسة. حتى Reuters أشارت إلى استمرار اهتمام المستثمرين رغم المخاطر، مع تقييمات وتمويلات ضخمة ما زالت مطروحة.
إذن نحن لا نقول: الـAI انتهى.
نقول شيئًا أكثر دقة:
القطاع الذي ساعد على إبقاء الاقتصاد قويًا والطلب على رأس المال مرتفعًا بدأ يظهر أول اختبارات حقيقية لقدرته على الاستمرار بهذا الإيقاع.
وهذه نقطة مهمة جدًا للفائدة.
طالما بقي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قويًا، والاقتصاد قويًا، والوظائف مستقرة، يستطيع وورش إبقاء الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها.
لكن ماذا يحدث إذا تراجعت استثمارات الـAI بقوة، هبطت تقييمات الشركات، تباطأ الاقتراض، وبدأت الخسائر تنتقل إلى بقية السوق؟
حينها تتحول المعادلة.
الفيدرالي الذي يرفع اليوم لمحاربة التضخم قد يجد نفسه في 2027 مضطرًا إلى الخفض لحماية الائتمان والنشاط الاقتصادي.
الفقاعة لا تدفع الفيدرالي إلى الخفض وهي تصعد… الانكسار هو الذي قد يفعل.
لهذا لم يقرأ الذهب قرار الفائدة بالطريقة التي توقعها الجميع
ارتفاع الفائدة يجب أن يكون سلبيًا للذهب، وهذه القاعدة ما زالت صحيحة. العائد الأعلى يجعل السندات أكثر جاذبية، ويقوي الدولار غالبًا، ويرفع تكلفة امتلاك أصل لا يدفع فائدة.
لكن هناك نقيضًا.
إذا بدأ السوق يعتقد أن ارتفاع الفائدة اليوم هو المرحلة الأخيرة قبل أن يصبح الاقتصاد بحاجة إلى فائدة أقل لاحقًا، يبدأ الذهب بتسعير نهاية دورة التشديد قبل أن يعلنها الفيدرالي.
وهذا ما يجعل حركة الجمعة لافتة. النفط تراجع، بعض العوائد هدأت، والمستثمرون الذين بنوا مراكز على فرضية «رفع الفائدة = انهيار الذهب» اضطروا إلى إغلاق جزء منها. أحد التفسيرات التي نقلتها Reuters كان أن السوق بدأ يأمل بأن تكون دورة الرفع الحالية ضحلة نسبيًا، لا مسارًا طويلًا من التشديد.
لكن لا يجب المبالغة أيضًا.
الذهب لم يحصل بعد على ضمانة بخفض الفائدة في 2027. بل إن السوق حاليًا ما زال يسعّر احتمال رفع آخر، وبعض العقود ذهبت أبعد من توقعات الفيدرالي نفسه في التشديد.
ولهذا أرى أننا بين مرحلتين.
المرحلة الحالية ما زالت مرحلة فائدة مرتفعة تضغط على الذهب.
أما المرحلة التي يحاول جزء من السوق رؤيتها من الآن فهي: ماذا يحدث إذا بدأ هذا التشديد، بالتزامن مع ضعف محتمل في طفرة الـAI، بكسر شيء في الاقتصاد؟
عندها لن ينتظر الذهب أول خفض رسمي.
كما لم ينتظر رفع سبتمبر حتى يهبط قبله.
سيسعّر الخفض قبل وصوله.
وهذه بالنسبة لي خلاصة المقال السابق وهذا المقال معًا:
الفيدرالي يسعّر التضخم الموجود اليوم، أما الذهب فيحاول أن يسعّر السياسة النقدية التي قد نحتاجها غدًا.
فإذا استمرت طفرة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد بقوتهما، قد يتأخر هذا السيناريو كثيرًا ويعود الذهب تحت ضغط العوائد.
أما إذا بدأ 2027 بأزمة سيولة أو تصحيح عميق في القطاع الذي استهلك أكبر كمية من رأس المال في السنوات الأخيرة، فقد يصبح السؤال في السوق أسرع مما نتوقع:
ليس متى سيرفع وورش مرة أخرى…
بل متى سيبدأ بإعادة الفائدة إلى الأسفل؟
وعندها سنفهم لماذا رفض الذهب أصلًا أن ينتظر الإجابة الرسمية.
يتبع... مع افتتاح السوق
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #الفيدرالي #الفائدة #الدولار #الذكاء_الاصطناعي