ماذا لو اضطرت أميركا إلى الحرب لإنقاذ الدولار؟
«الدولار عملتنا… لكنه مشكلتكم.»
— جون كونالي، وزير الخزانة الأميركي، 1971.
قبل أكثر من خمسين سنة كان بإمكان الولايات المتحدة أن تقول هذه الجملة بثقة. العالم يحتاج الدولار أكثر مما تحتاج أميركا إلى إقناعه به؛ النفط يُسعّر به، التجارة تمر عبره، البنوك المركزية تحتفظ به، وسندات الخزانة الأميركية هي الخزان الأكبر لسيولة العالم.
لكن ماذا لو انقلبت المعادلة؟
ماذا لو أصبحت أميركا في يوم ما بحاجة إلى العالم كي يستمر في طلب الدولار، أكثر مما يحتاج العالم إلى الدولار نفسه؟
هنا يبدأ السيناريو الذي أريد مناقشته. لا يوجد دليل يقول إن الولايات المتحدة تستعد لخوض حرب «لإنقاذ الدولار»، ولذلك ما يلي ليس وصفًا لدافع معلن ولا نظرية مؤامرة نحاول تحويلها إلى حقيقة. نحن نبني سيناريو اقتصاديًا: ماذا لو وصل تراجع الثقة بالدولار والنظام المالي الأميركي إلى مستوى تعتبره واشنطن تهديدًا للأمن القومي، لا مجرد حركة في سوق العملات؟
المزعج أن الضغط الحقيقي قد لا يبدأ أصلًا من الخارج.
قد يبدأ من داخل أميركا نفسها.
المشكلة ليست الدولار وحده… بل ما يقف خلفه
الدين الفيدرالي الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار، بينما بلغ العجز منذ بداية السنة المالية وحتى أغسطس قرابة 1.97 تريليون دولار، متجاوزًا بالفعل كامل عجز السنة المالية السابقة. وفي الوقت نفسه ارتفعت مدفوعات الفوائد منذ بداية السنة بنحو 13%. أما عائد السند الأميركي لعشر سنوات فقد تجاوز 5% مؤخرًا قبل أن يتراجع قليلًا، وهي مستويات لم يعتد عليها الاقتصاد الأميركي منذ قرابة عقدين.
هذه الأرقام لا تعني أن أميركا مفلسة، ولا أن سنداتها تنهار. بالعكس، سوق الخزانة ما زال الأكبر والأعمق في العالم، والطلب عليه لم يختفِ.
لكن المشكلة أبسط وأخطر في الوقت نفسه: كلما ارتفعت تكلفة التمويل، احتاجت الدولة إلى مزيد من المال لخدمة الدين الذي اقترضته سابقًا.
أميركا لديها ميزة لا تملكها معظم الدول: العالم مستعد لتمويلها بعملتها هي.
هذه ليست تفصيلة صغيرة في القوة الأميركية، بل جزء أساسي منها.
الدولار ما زال يمثل نحو 57.1% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وكان طرفًا في نحو 89.2% من معاملات العملات العالمية وفق أحدث بيانات صندوق النقد وبنك التسويات الدولية. أي أن الحديث عن «موت الدولار» اليوم أقرب إلى عنوان تسويقي منه إلى واقع مالي.
لكن القوة ليست السؤال.
السؤال هو اتجاه الحركة.
تخيل أن العالم لا يهرب من الدولار… بل يبدأ بتقليل حاجته إليه
الصين مثال جيد.
حيازتها المعلنة من سندات الخزانة الأميركية انخفضت في يونيو إلى نحو 633 مليار دولار، أدنى مستوى منذ 2008، وبنحو 13% أقل من العام السابق. هذا لا يعني أن الصين تخلت عن الدولار؛ النظام المالي الصيني نفسه ما زال يستخدمه بكثافة. لكنه يدل على اتجاه أوسع نحو تنويع الأصول وتقليل الاعتماد الاستراتيجي على النظام الأميركي.
الآن تخيل أن هذه الحركة تتسارع.
الصين تقلل احتياطياتها الدولارية، دول أخرى تزيد الذهب، التجارة الثنائية تتحول أكثر إلى العملات المحلية، أنظمة دفع بديلة تتوسع، والطلب الخارجي على سندات الخزانة يبدأ بالنمو بوتيرة أبطأ من حاجة واشنطن المتزايدة للاقتراض.
عندها لا نتحدث عن انخفاض في مؤشر الدولار.
نحن نتحدث عن شيء أهم بكثير:
ارتفاع تكلفة الإمبراطورية الأميركية نفسها.
إذا انخفض الطلب الهيكلي على سندات الخزانة، تحتاج الحكومة إلى عائد أعلى لجذب المال. والعائد الأعلى يعني تكلفة فائدة أكبر، وعجزًا أكبر، وإصدارات جديدة أكبر.
ثم تبدأ الحلقة التي لا يحب أي وزير مالية رؤيتها:
دين أكبر لتمويل فوائد الدين السابق.
وهنا قد يتحول الدولار من قضية اقتصادية إلى قضية أمن قومي.
لأن فقدان جزء من امتياز الدولار لا يعني فقط ضعف العملة. يعني قدرة أقل على تمويل العجز بسهولة، قدرة أضعف على استخدام العقوبات كسلاح، وحاجة أكبر إلى إقناع العالم بأن النظام الذي تقوده واشنطن ما زال النظام الذي يجب الاحتفاظ بأصوله.
الحرب عندها لن تُسمى «حرب الدولار»
هذه أهم نقطة في السيناريو كله.
أميركا لن تعلن يومًا:
نحن ذاهبون إلى الحرب كي يبقى العالم يشتري سنداتنا.
السياسة الدولية لا تعمل بهذه السذاجة.
قد تحمل الحرب اسم تايوان.
أو حماية الملاحة.
أو أمن الطاقة.
أو الدفاع عن حليف.
أو حماية التكنولوجيا والرقائق.
لكن إذا أصبحت السيطرة على طرق التجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، والنظام المالي مترابطة، فقد تصبح حماية أحدها حماية للبقية.
تخيل مثلًا عالمًا تتوسع فيه الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وتبني حولها شبكة تجارية تستطيع استخدام اليوان أو العملات المحلية بصورة أكبر، بينما تعاني أميركا في الداخل من دين يتجاوز 40 تريليونًا، عجز يقترب من تريليوني دولار سنويًا، وعوائد سندات قرب 5%.
في هذه اللحظة، خسارة النفوذ حول تايوان أو طرق الطاقة أو التجارة الآسيوية لن تكون مجرد خسارة جيوسياسية.
قد تُقرأ في واشنطن كخطوة إضافية نحو نظام عالمي يحتاج إلى الدولار بدرجة أقل.
وهنا يصبح التدخل العسكري، ضمن هذا السيناريو، محاولة لحماية النظام الذي يحمي الدولار… وليس الدولار وحده.
لكن هنا تقع المفارقة التي تجعل السيناريو أخطر.
ماذا لو كانت حرب إنقاذ الدولار هي التي تؤذيه؟
في الأيام الأولى لأي أزمة عالمية ضخمة، قد يحدث العكس تمامًا مما يتوقعه أنصار «انهيار الدولار».
قد يهرب المستثمرون إلى الدولار وسندات الخزانة لأنها ما زالت أكبر ملاذ سيولة في العالم.
الحرب قد تقوي الدولار أولًا.
لكن ماذا عن السنة الثانية؟
حرب كبيرة تعني إنفاقًا عسكريًا أكبر، عجزًا أوسع، إصدارات إضافية من السندات، ضغطًا على الطاقة والتضخم، وربما فائدة أعلى لفترة أطول. والحرب الأميركية الحالية مع إيران تقدم مثالًا أصغر على هذه المفارقة؛ ارتفاع أسعار الوقود والنقل بدأ يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد والتضخم الأميركي.
أي أن واشنطن قد تدخل مواجهة للدفاع عن نظام يمنح الدولار قوته، ثم تضطر إلى إصدار ديون إضافية لتمويل هذه المواجهة.
والدول التي تخشى أن تصبح يومًا على الطرف الآخر من العقوبات الأميركية قد تنظر إلى الحرب وتستنتج شيئًا مختلفًا تمامًا:
نحن بحاجة إلى احتياطيات لا يستطيع خصمنا التحكم بها.
وهنا يظهر الذهب.
ليس لأنه سيحل مكان الدولار غدًا، ولا لأن الصين ستبيع كل سنداتها صباح الاثنين، وإنما لأنه أصل لا يمثل التزامًا على دولة أخرى. ولهذا اشترت البنوك المركزية 289 طنًا صافيًا في الربع الثاني من 2026 وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
وهكذا نصل إلى المفارقة التي أراها أهم من فكرة الحرب نفسها:
الدولار ما زال أقوى عملة في العالم، لكن جزءًا من هذه القوة قائم على أن العالم يريد امتلاكه طوعًا.
أميركا تستطيع حماية طريق بحري بقوة عسكرية.
تستطيع حماية حليف.
وتستطيع معاقبة دولة وإغلاق أبواب النظام المالي أمامها.
لكنها لا تستطيع بالقوة أن تجعل بنكًا مركزيًا في بكين أو الرياض أو نيودلهي يقرر أن يحتفظ بنسبة معينة من احتياطياته بالدولار إلى الأبد.
لهذا، إذا قامت يومًا حرب يكون أحد أبعادها الخفية حماية النظام الدولاري، فقد يكون السؤال بعد سنوات ليس:
هل ربحت أميركا الحرب؟
بل:
كم كلّفها الانتصار… وهل بقي الدولار بعده يحتاج إلى الحماية أكثر مما كان يحتاج إليها قبله؟
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الدولار #الذهب #أميركا #الصين #السندات #الاقتصاد #الحروب