ماذا يحدث للذهب إذا ارتفع النفط؟
«لا توجد علاقة ثابتة بين الذهب والنفط.»
— خوان كارلوس أرتيغاس، مجلس الذهب العالمي
من أكثر العلاقات التي تُفهم بطريقة خاطئة في الأسواق أن ارتفاع النفط يعني تلقائيًا ارتفاع الذهب.
المنطق يبدو سهلًا: النفط يرتفع، التضخم يرتفع، والذهب تحوط من التضخم، إذًا الذهب يصعد.
لكن السوق لا يعمل بهذه النظافة.
بل في بعض الأحيان قد يحدث العكس تمامًا: يرتفع النفط… فيهبط الذهب أولًا.
وهذا ليس تناقضًا، وإنما نتيجة وجود طريقين مختلفين ينتقل عبرهما ارتفاع النفط إلى الذهب. الطريق الأول يمر عبر التضخم والفيدرالي والعوائد والدولار، وغالبًا يكون سلبيًا على المدى القريب. أما الطريق الثاني فيمر عبر تآكل القوة الشرائية والمخاطر الاقتصادية وفقدان الثقة، وقد يكون إيجابيًا للذهب إذا استمر ارتفاع النفط فترة أطول.
مجلس الذهب العالمي نفسه يشير إلى أن العلاقة طويلة الأجل بين النفط والذهب ليست ثابتة أصلًا، وأن ارتفاع أحدهما لا يعني آليًا ارتفاع الآخر. الأهم هو لماذا ارتفع النفط، وكيف سيتعامل الاقتصاد والبنوك المركزية معه.
النفط قد يرفع التضخم… والفيدرالي يعاقب الذهب
لنفترض أن النفط ارتفع بقوة.
أول ما يحدث ليس أن المستثمر يذهب مباشرة لشراء الذهب. الوقود يصبح أغلى، النقل يصبح أغلى، تكلفة الإنتاج ترتفع، ثم تبدأ هذه الزيادة بالانتقال تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.
الفيدرالي لا يستطيع إنتاج برميل نفط إضافي، وبالتالي لا يستطيع معالجة سبب الصدمة نفسها، لكنه يستطيع محاولة منع ارتفاع الطاقة من التحول إلى تضخم أوسع داخل الاقتصاد.
وهنا يدخل سلاح الفائدة.
إذا اقتنع السوق بأن النفط المرتفع سيجعل التضخم أكثر عنادًا، يبدأ بتسعير بقاء الفائدة مرتفعة لمدة أطول أو حتى رفعات إضافية. ترتفع عوائد السندات، وقد يقوى الدولار، فتزداد تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يمنح عائدًا.
وهذا تمامًا ما رأيناه في السوق مؤخرًا؛ تصريحات مسؤولي الفيدرالي بشأن استمرار التضخم، بالتزامن مع ضغوط الطاقة، دفعت توقعات الفائدة إلى الأعلى وضغطت على الذهب، الذي هبط في جلسة الثلاثاء بنحو 1.1%.
إذًا المفارقة الأولى واضحة:
النفط المرتفع قد يصنع تضخمًا يفترض أنه جيد للذهب، لكنه في البداية قد يصنع فائدة أعلى تكون سيئة للذهب.
إذا كانت المعادلة ببساطة «نفط صاعد = ذهب صاعد»، كان الموضوع انتهى من أول سطر.
لكن السوق يسعّر رد فعل الفيدرالي قبل أن يسعّر التضخم نفسه.
لكن ماذا لو بقي النفط مرتفعًا؟
هنا يبدأ الوجه الآخر للقصة.
الفائدة تستطيع تهدئة الطلب، لكنها لا تستطيع فتح مضيق هرمز، ولا إنهاء حرب، ولا إعادة إنتاج مفقود إلى السوق.
إذا كان ارتفاع النفط مؤقتًا، يستطيع الاقتصاد امتصاصه غالبًا، ويظل أثره على الذهب محدودًا.
أما إذا استمر النفط مرتفعًا لأشهر، تبدأ المشكلة بالخروج من سوق الطاقة إلى الاقتصاد كله.
تكاليف الشركات ترتفع. هوامش الأرباح تتراجع. المستهلك يدفع أكثر على الوقود والنقل والكهرباء، فيتبقى لديه مال أقل لبقية الإنفاق. التضخم يبقى مرتفعًا، بينما النمو يبدأ بالتباطؤ.
وهنا يدخل الاقتصاد في البيئة التي لا يحبها أي بنك مركزي: تضخم مرتفع مع نمو أضعف.
رفع الفائدة أكثر قد يخنق الاقتصاد.
وخفضها قد يعيد إشعال التضخم.
وهنا يبدأ الذهب باستعادة جاذبيته، ليس لأن النفط يرتفع في حد ذاته، وإنما لأن قدرة السياسة النقدية على تقديم حل نظيف تبدأ بالانخفاض.
مجلس الذهب العالمي يشير إلى أن الذهب قد يتأخر عن السلع في بداية موجات التضخم، لكنه تاريخيًا يستطيع الاستفادة إذا أصبح التضخم مستمرًا ودفع المستثمرين للبحث عن أدوات تحافظ على القوة الشرائية.
بمعنى أدق:
النفط لا يرفع الذهب… استمرار المشكلة التي يمثلها النفط قد يرفعه.
لماذا ارتفع النفط؟ هذا أهم من السعر نفسه
برميل النفط عند 110 دولارات بسبب طلب اقتصادي عالمي قوي ليس مثل البرميل نفسه عند 110 دولارات بسبب حرب أوقفت جزءًا من الإمدادات.
السعر واحد.
لكن المعنى الاقتصادي مختلف تمامًا.
في الحالة الأولى، ارتفاع النفط قد يعكس اقتصادًا قويًا واستهلاكًا مرتفعًا. وهذا قد يسمح للفيدرالي بالبقاء متشددًا فترة أطول، وهو ليس السيناريو الأفضل للذهب.
أما في الحالة الثانية، فلدينا تضخم قادم من جانب العرض، مخاطر جيوسياسية، اضطراب في التجارة وربما حاجة الحكومات إلى إنفاق أكبر. هنا يحصل الذهب على سببين مختلفين للدعم: التضخم من جهة، والخوف وعدم اليقين من جهة أخرى.
ولهذا توصلت أبحاث مجلس الذهب العالمي إلى أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يميل تاريخيًا إلى دعم الذهب حتى بعد التحكم في بعض المتغيرات الاقتصادية الأخرى. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن التضخم الناتج عن تلك المخاطر قد يؤخر التحول نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، وبالتالي يضغط على الذهب في المدى المتوسط.
وهذه من أجمل التناقضات في السوق:
الحرب التي ترفع الذهب لأنها تزيد الخوف، قد تخفضه مؤقتًا لأنها ترفع النفط، والنفط يرفع التضخم، والتضخم يرفع الفائدة.
نفس الحدث يستطيع أن يدفع الذهب في اتجاهين مختلفين بحسب الأفق الزمني الذي تنظر إليه.
إذًا ماذا نراقب فعلًا؟
عندما يرتفع النفط، لا أنظر إلى النفط وحده.
أنظر بعده مباشرة إلى العوائد، الدولار، توقعات التضخم، والفيدرالي.
إذا ارتفع النفط وارتفعت معه عوائد السندات والدولار، فالغالب أن الذهب سيواجه ضغطًا على المدى القريب.
أما إذا استمر النفط مرتفعًا وبدأت الأسواق تقلق من النمو، أو من قدرة الفيدرالي على السيطرة على التضخم دون إحداث ضرر اقتصادي، فهنا يبدأ أثر مختلف بالظهور.
وقد نصل إلى مرحلة تهبط فيها العوائد مستقبلًا رغم بقاء التضخم مرتفعًا، لأن السوق يبدأ بتسعير تباطؤ اقتصادي أو خفض فائدة لاحق.
عندها تتغير البيئة لمصلحة الذهب بصورة أوضح.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو:
هل ارتفاع النفط جيد أم سيئ للذهب؟
السؤال الأفضل هو:
هل ارتفاع النفط يجعل المال أكثر ندرة اليوم… أم يجعل الثقة به أضعف غدًا؟
في الحالة الأولى قد يتضرر الذهب.
وفي الثانية قد يصبح الذهب هو المكان الذي يعود إليه السوق بعد أن يكتشف أن المشكلة لم تكن في سعر برميل النفط وحده، وإنما في الاقتصاد الذي حاول التعايش معه.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #النفط #الفيدرالي #الفائدة #الدولار #التضخم