الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

حرب الطاقة التي تدور الآن

«أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ.»
— وصف وكالة الطاقة الدولية لأثر الحرب الحالية في الشرق الأوسط
لو نظرت إلى الحروب الدائرة الآن باعتبارها صراعًا على الأرض فقط، فأنت ترى نصف الصورة.

المعركة الأخطر أصبحت تدور حول شيء أبسط بكثير: من يستطيع إبقاء الطاقة تتدفق، ومن يستطيع منعها عن الآخر؟

ناقلات تتجنب مضيق هرمز، خط أنابيب سعودي يتعرض لهجوم، منشآت غاز قطرية تتضرر، مصافٍ روسية تُضرب، وأسعار الديزل تقفز بسبب اختناقات التكرير والنقل. حتى الصين، التي تحاول عادة إبقاء نفسها بعيدة نسبيًا عن الاشتباك العسكري المباشر في الشرق الأوسط، تدخلت دبلوماسيًا للضغط من أجل تخفيف الهجمات التي تهدد إمدادات النفط.

لهذا أعتقد أننا لا نشاهد حربًا يكون النفط أحد آثارها الجانبية.

نحن نشاهد حرب طاقة، والسلاح فيها ليس الصاروخ فقط… بل البرميل الذي لا يصل.

لم يعد المطلوب ضرب البئر… يكفي أن تمنع النفط من الخروج

قبل الحرب الحالية كان يمر عبر مضيق هرمز قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، أي نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. وكالة الطاقة الدولية تقول إن الأزمة الحالية تسببت بأكبر اضطراب للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي.

لكن الملفت أن الحرب أثبتت أن الدولة لا تحتاج إلى تدمير الحقول حتى توقف الطاقة.

يكفي أن تجعل طريقها خطرًا.

حركة السفن المرئية عبر هرمز انخفضت إلى مستويات محدودة جدًا مقارنة بنحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا قبل الحرب. وفي محاولة للالتفاف على المشكلة بدأت ناقلات تنقل النفط من سفينة إلى أخرى قبالة عُمان، في عملية أكثر تعقيدًا وتكلفة، وكأن السوق بدأ يبني جسرًا بحريًا مؤقتًا حول الأزمة.

والمشكلة أن البدائل نفسها دخلت المعركة.

خط East-West السعودي، الذي يمثل أحد أهم الطرق لتجاوز هرمز ونقل النفط نحو البحر الأحمر، تعرض لهجمات، وفي الوقت نفسه أصبح باب المندب نفسه منطقة خطر مع تصاعد الحرب في اليمن. أي أن السوق لم يعد يسأل فقط إن كان هرمز مفتوحًا، بل إن كان الطريق البديل مفتوحًا أيضًا.

وهنا تتغير قواعد اللعبة:

في حرب الطاقة لا تحتاج إلى السيطرة على النفط… يكفي أن تسيطر على الطريق الذي يحتاجه النفط.

الحرب انتقلت من النفط إلى الغاز والمصافي

ومن الخطأ أيضًا اختصار ما يحدث بسعر برنت.

قطر، وهي أحد أهم موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، قالت إن الأزمة قد تؤخر توسعات مشروع حقل الشمال، فيما أدت الهجمات إلى تعطيل نحو 17% من قدرتها على إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وبعض الإصلاحات قد تستغرق سنوات. وكالة الطاقة الدولية تقدر أن اضطرابات الشرق الأوسط أزالت مؤقتًا قرابة خُمس إمدادات LNG العالمية وغيرت توقعات السوق لسنوات مقبلة.

وفي الجهة الأخرى من العالم، أصبحت الطاقة أيضًا جزءًا مباشرًا من الحرب الروسية-الأوكرانية.

الهجمات الأوكرانية وصلت مجددًا إلى مصافي داخل روسيا، فيما تستهدف الضربات الروسية بدورها البنية الاقتصادية والطاقة والنقل في أوكرانيا. إحدى الهجمات الأخيرة أصابت مصفاة قرب موسكو تبلغ طاقتها التاريخية نحو 11.6 مليون طن من النفط سنويًا، بالتزامن مع ضغوط ونقص في الوقود داخل روسيا.

وهنا نفهم لماذا أصبحت أسعار الديزل أخطر أحيانًا من سعر النفط الخام نفسه.

يمكن أن يكون لديك نفط، لكن إن لم تكن لديك قدرة تكرير كافية أو طريق آمن لنقله، فلن يفيد المستهلك كثيرًا وجود البرميل في مكان بعيد. اضطرابات المصافي في الشرق الأوسط وروسيا دفعت أسعار الديزل إلى مستويات استثنائية، وأصبحت تكاليف النقل والزراعة والصناعة تتلقى الصدمة مباشرة.

وهذا هو الشكل الحديث لحرب الطاقة:

لا تضرب المورد فقط.

اضرب المصفاة، الخط، الميناء، الناقلة، والممر البحري.

لماذا تحاول الصين منع اتساع الحرب؟

هذه الزاوية تكشف حجم الصراع أكثر من أي تصريح سياسي.

الصين طلبت من إيران المساعدة في الحد من هجمات الحوثيين على المنشآت السعودية بعد طلب سعودي من بكين. السبب ليس حبًا مفاجئًا بالهدوء السياسي؛ للصين مصلحة اقتصادية واضحة جدًا.

قرابة نصف واردات الصين النفطية تأتي من الشرق الأوسط، كما أنها المستورد الرئيسي للنفط الإيراني. أي أن استمرار التصعيد بين إيران، السعودية، اليمن والممرات البحرية يبدأ بإيذاء المستهلك الصيني نفسه.

وهنا تظهر مفارقة جميلة جدًا في الاقتصاد السياسي.

الصين قد تختلف مع الولايات المتحدة في ملفات كثيرة، لكنها لا تريد حربًا توقف البرميل الذي تحتاجه مصانعها.

السعودية تريد حماية طرق تصديرها.

إيران تعرف أن هرمز يمنحها ورقة ضغط هائلة، لكن تعطيله طويلًا يضر أيضًا بالدول التي تشتري نفطها.

أوروبا تريد الغاز.

وأميركا تريد ألا تتحول صدمة الطاقة إلى تضخم جديد يضغط على اقتصادها وفيدراليها.

الجميع مختلفون سياسيًا.

لكن البرميل يجبرهم على الجلوس حول الطاولة نفسها.

السوق اليوم لا يسعّر النفط… بل إمكانية وصوله

ولهذا كان هبوط النفط اليوم مهمًا.

برنت تراجع إلى قرابة 98 دولارًا للبرميل بعدما تجاوز 100 دولار مؤخرًا، ليس لأن العالم اكتشف حقلًا نفطيًا ضخمًا خلال ليلة واحدة، بل لأن السوق بدأ يسعّر احتمال تقدم دبلوماسي أميركي-إيراني وإمكانية إعادة فتح هرمز بصورة أوسع.

وهذا يخبرنا بشيء مهم:

السوق حاليًا لا يسعّر كمية النفط الموجودة تحت الأرض.

هو يسعّر احتمال أن يصل هذا النفط إلى المشتري.

خبر تفاوض يخفض السعر.

هجوم على خط أنابيب يرفعه.

ضربة على مصفاة ترفع الديزل.

وتهديد ممر بحري يعيد تسعير الاقتصاد العالمي كله.

ومن هنا ينتقل أثر الحرب من الطاقة إلى كل شيء آخر.

إذا بقي النفط والديزل مرتفعين، ترتفع تكلفة النقل والإنتاج، ويزداد خطر التضخم. التضخم يبقي البنوك المركزية أكثر تشددًا، العوائد تبقى مرتفعة، والدولار والأسهم والذهب تبدأ جميعها بإعادة تسعير نفسها.

أي أن الصاروخ الذي يضرب منشأة طاقة في مكان بعيد قد يصل أثره بعد أسابيع إلى قرار الفائدة الذي تدفعه على قرضك.

وهذا ربما أخطر ما في الحرب الحالية.

هي ليست حربًا بعيدة يقرأ عنها المستثمر في الصفحة الدولية.

هي تدخل محفظته من بوابة النفط، ثم تمر بالتضخم، ثم الفائدة، ثم السندات، ثم العملات والأسهم والذهب.

لهذا عندما أنظر إلى النزاعات الحالية لا أسأل فقط: من تقدم عسكريًا؟

أسأل سؤالًا آخر:

من يستطيع إبقاء الطاقة تتحرك؟

لأن الحروب القديمة كانت تُحسم أحيانًا بمن يملك النفط.

أما الحرب التي تدور الآن، فقد تُحسم اقتصاديًا بمن يستطيع إيصاله.

المستشار عمر جاسم آل صياح

#النفط #الطاقة #الذهب #التضخم #الفيدرالي #الأسواق #الشرق_الأوسط