الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

متى يجب أن تخاطر؟ لأن مو كل مخاطرة تعني ربحًا أكبر

«المخاطرة تأتي من عدم معرفتك بما تفعله.»
— وارن بافيت
هناك فكرة مالية تكررت لدرجة أننا توقفنا عن مناقشتها: كلما زادت المخاطرة، زاد العائد.

الجملة صحيحة جزئيًا، وخطيرة جدًا إذا فهمتها حرفيًا.

لأن المخاطرة الأعلى قد تعطيك إمكانية عائد أعلى، لكنها لا تمنحك العائد نفسه. ولو كانت المخاطرة الأكبر تعني تلقائيًا ربحًا أكبر، لكان أكثر الناس تهورًا في السوق هم أثرى المستثمرين.

والواقع يقول العكس تمامًا.

لذلك السؤال الذكي ليس: هل أخاطر أم لا؟

بل: متى تصبح المخاطرة تستحق أصلًا أن آخذها؟

وهنا الفرق بين المستثمر الذي يستخدم المخاطرة كأداة، وبين شخص يستخدم كلمة «مخاطرة» ليعطي اسمًا محترمًا للمقامرة.

المخاطرة ليست حجم الخسارة فقط

عندما يسمع المستثمر عبارة «صفقة عالية المخاطرة»، غالبًا يتخيل شيئًا قد يربح 200% أو يخسر 50%.

لكن هذا تعريف ناقص جدًا.

المخاطرة الحقيقية تسأل خمسة أسئلة مختلفة: كم يمكن أن أخسر؟ ما احتمال أن أخسر؟ ما الذي سأربحه مقابل هذه الخسارة؟ كم تمثل الخسارة من محفظتي؟ وهل أستطيع الاستمرار إذا وقع السيناريو السيئ؟

وهنا يصبح أصل عالي التقلب أقل خطورة على شخص وضع فيه 2% من محفظته، من أصل يبدو هادئًا وضع فيه شخص آخر 80% من ثروته.

يعني أحيانًا المشكلة ليست في الأصل… بل في حجمك أنت داخله.

وهذا ما يغفله كثيرون عندما يرتبون العقار ثم الذهب ثم الأسهم ثم العملات الرقمية بحسب «المخاطرة». المخاطرة ليست صفة ثابتة تُلصق بالأصل فقط؛ هي علاقة بين الأصل، والسعر الذي اشتريت عنده، وحجم مركزك، ومدة استثمارك، وقدرتك على تحمل الخسارة.

لهذا يمكن لشخصين شراء البيتكوين نفسه بالسعر نفسه، لكن أحدهما قام بمخاطرة محسوبة، والثاني ارتكب كارثة مالية.

متى تصبح المخاطرة منطقية؟

برأيي، تستحق المخاطرة عندما تصبح غير متماثلة.

أي عندما تكون خسارتك الممكنة معروفة ومقبولة، بينما يكون العائد المحتمل أكبر بما يكفي لتبرير أخذ الاحتمال.

لكن حتى هنا يوجد فخ.

لنفترض أن هناك صفقة تخسر فيها دولارًا إذا فشلت وتربح خمسة دولارات إذا نجحت. للوهلة الأولى تبدو رائعة: أخاطر بواحد لأربح خمسة.

لكن ماذا لو كان احتمال نجاحها 10% فقط؟

لو كررتها نظريًا عشر مرات، قد تربح مرة خمسة وتخسر تسع مرات دولارًا. النتيجة؟ ما زلت خاسرًا.

إذًا حتى عبارة Risk/Reward وحدها لا تكفي.

يجب أن تدخل معها احتمالية النجاح.

وهنا تصبح المخاطرة الحقيقية أقرب إلى معادلة من كونها شجاعة.

السوق لا يكافئك لأنك تجرأت.

السوق أساسًا لا يعرف أنك موجود.

أهم مخاطرة هي ألّا تُخرجك المخاطرة من اللعبة

لنأخذ المثال الأبسط.

شخص يخاطر بـ50% من رأس ماله لأنه يعتقد أن فرصة أمامه قد تعطيه 500%.

هذا الشخص يملك عمليًا محاولتين سيئتين فقط قبل أن يصبح حسابه في حالة شبه موت.

بينما شخص آخر يخاطر بجزء أصغر بكثير في كل فكرة، يستطيع تحمل سلسلة من الأخطاء والبقاء حتى تأتي الفرصة التي تعوضها.

وهنا يظهر مفهوم يغفله من يطارد العائد: الاستمرارية نفسها أصل مالي.

ليس المهم فقط كم ستربح عندما تكون محقًا.

المهم كم مرة تستطيع أن تكون مخطئًا قبل أن تنتهي اللعبة.

وهذا يتوافق مع الفكرة التي ناقشناها سابقًا في مفهوم إدارة المخاطرة: الخطر ليس فقط مقدار الخسارة، بل أثرها على رأس المال وعلى قدرتك على الاستمرار واتخاذ القرار التالي بصورة طبيعية.

فالخسارة 10% تحتاج بعدها إلى ربح يقارب 11% للعودة.

أما خسارة 50% فتحتاج إلى ربح 100%.

وهنا تتحول المخاطرة من «فرصة للثراء» إلى حفرة تحتاج إلى عائد استثنائي فقط كي تعود لنقطة البداية.

لكن عدم المخاطرة أيضًا مخاطرة

هنا يجب أن نذكر النقيض.

أنا لا أقول لا تخاطر.

لأن المستثمر الذي يرفض أي مخاطرة قد يرتكب خطأً لا يقل سوءًا.

الاحتفاظ بالنقد طوال العمر مخاطرة أمام التضخم. رفض الاستثمار في قطاع جديد فقط لأنه غير مألوف قد يجعلك تفوت تغيرًا اقتصاديًا كاملًا. والتمسك دائمًا بالأصول الأقل تقلبًا قد يحمي رأس المال اسميًا لكنه يمنع نموه الحقيقي.

إذًا الهدف ليس قتل المخاطرة.

الهدف هو شراء المخاطرة بالسعر الصحيح.

أحيانًا يكون أمامك مشروع تستطيع تحمل فشله بالكامل، لكن نجاحه قد يغير جزءًا كبيرًا من محفظتك. هنا المخاطرة قد تكون منطقية.

وأحيانًا تدخل أصلًا ارتفع 300%، برافعة مالية، وبكل سيولتك، لأن شخصًا على الإنترنت قال لك إن «من لا يخاطر لا يربح».

هون ما عم تخاطر.

أنت فقط عم تستخدم جملة تحفيزية لتبرر قرارًا سيئًا.

هناك مخاطرة نفسية أيضًا

وهذه ربما أخطر من الخسارة نفسها.

إذا كان احتمال خسارة مبلغ معين سيجعلك لا تنام، أو يجعلك تنتقم من السوق، أو تضاعف الصفقة التالية لتعوض، فالمخاطرة أكبر من قدرتك حتى لو كانت صغيرة على الورق.

المبلغ الصحيح للمخاطرة ليس الذي تستطيع دفعه فقط.

بل الذي تستطيع خسارته ثم اتخاذ القرار التالي بالعقل نفسه.

لأن صفقة واحدة لا تدمر معظم المستثمرين.

ما يدمرهم غالبًا هو سلسلة القرارات التي يتخذونها بعد الصفقة السيئة.

ولهذا المستثمر المحترف لا يسأل نفسه فقط: كم سأربح؟

يسأل: ماذا سيحدث لي ماليًا ونفسيًا إذا كنت مخطئًا؟

إذا كانت الإجابة «لن يتغير شيء جوهري، وسأستمر وفق الخطة»، فأنت أقرب إلى مخاطرة مدروسة.

أما إذا كانت الإجابة «إذا خسرت، لازم أعوض بأي طريقة»، فأنت أصلًا دخلت بحجم أكبر من قدرتك.

إذًا متى تخاطر؟

تخاطر عندما تكون قد درست الأصل بدل أن تراهن عليه، عندما يكون العائد المحتمل يستحق الخسارة المحتملة، عندما لا تستطيع خسارة واحدة إخراجك من اللعبة، وعندما تملك سيولة ووقتًا يسمحان لك بأن تكون مخطئًا دون أن تضطر إلى البيع.

وتخاطر أكثر نسبيًا عندما تكون لديك أفضلية حقيقية، لا مجرد ثقة أعلى.

لأن الثقة لا تغير الاحتمالات.

أحيانًا أكثر شخص واثق في الغرفة هو أكثر شخص لا يعرف ماذا يفعل.

ولهذا لا أحب عبارة: «المخاطرة الأعلى تعني العائد الأعلى».

الأدق أن نقول:

العائد الأعلى المحتمل يحتاج غالبًا إلى تحمل مخاطرة… لكن المخاطرة وحدها لا تصنع عائدًا.

الثراء لا يأتي من عدد المرات التي وضعت فيها نفسك على حافة الإفلاس.

بل من عدد الفرص الجيدة التي استطعت الوصول إليها وأنت ما زلت تملك رأس مالًا لتشارك فيها.

لذلك عندما تأتيك الفرصة القادمة، لا تسأل فقط:

كم ممكن أربح؟

اسأل السؤال الذي يحبه المستثمر الحقيقي أكثر:

إذا كنت مخطئًا… هل سأبقى موجودًا عندما تأتي الفرصة التالية؟

لأن أفضل مخاطرة ليست التي تعدك بأكبر ربح.

بل التي تسمح لك بالخسارة دون أن تنتهي، وتكافئك بما يكفي إذا أصبت.

المستشار عمر جاسم آل صياح

#الاستثمار #المخاطرة #التداول #إدارة_المخاطر #الأسواق