هل فشلت خطة الهروب من هرمز؟ النفط أصبح بين مضيقين
«في هذه اللحظة، عبور هرمز أصبح أسهل.»
— بانكاج خانا، الرئيس التنفيذي لـHeidmar، في حديث لرويترز
قبل أيام فقط بدت الخطة السعودية منطقية جدًا: إذا أصبح مضيق هرمز خطرًا على صادرات النفط، انقل البراميل عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع، ثم صدّرها من البحر الأحمر.
نظريًا، المشكلة انتهت.
لكن الجغرافيا قررت أن تسخر من النظرية قليلًا.
خط الشرق–الغرب أُعيد تشغيله بعد الهجوم الذي عطّله، والسعودية تحاول إعادة التدفقات تدريجيًا إلى ينبع. لكن في اللحظة نفسها تقريبًا، ارتفعت مخاطر الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وقفزت تكلفة التأمين على الناقلات المرتبطة بالموانئ السعودية.
فهل فشلت خطة الهروب من هرمز؟
ليس تمامًا.
لكنها كشفت شيئًا أخطر: يمكنك الهروب من مضيق… لتكتشف أن النفط ينتظره مضيق آخر.
السعودية تجاوزت هرمز… لكنها لم تتجاوز الجغرافيا
خط الشرق–الغرب واحد من أهم أصول الطاقة الاستراتيجية لدى السعودية. ينقل النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتصل طاقته الاسمية إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا.
خلال الأزمة الأخيرة كانت الرياض تستخدمه لتحويل قرابة 4 ملايين برميل يوميًا بعيدًا عن هرمز، أي ما يعادل نحو 4% من الإمدادات العالمية. لكن هجمات بطائرات مسيرة في 11 سبتمبر أضرت بثلاث محطات ضخ وأوقفت الخط مؤقتًا، قبل أن تعود عمليات الضخ بمعدل منخفض. وتشير تقديرات نقلتها Reuters إلى أن العودة الكاملة قد تحتاج ستة إلى ثمانية أسابيع.
مجرد إعادة تشغيل الخط كانت كافية لدفع برنت نحو 97 دولارًا للبرميل، لأن السوق رأى أن جزءًا من الإمدادات المحاصرة جغرافيًا أصبح لديه منفذ جديد.
لكن المشكلة أن النفط عندما يصل إلى ينبع لا يختفي في الهواء.
يجب تحميله على ناقلة.
وهذه الناقلة يجب أن تصل إلى العميل.
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المشكلة.
باب المندب أصبح ثمن الهروب من هرمز
بالنسبة للشحنات المتجهة إلى أوروبا، تستطيع الناقلات من ينبع أن تتحرك شمالًا عبر قناة السويس، وبالتالي لا تحتاج إلى عبور باب المندب.
لكن أغلب النمو طويل الأجل في الطلب السعودي يأتي من آسيا.
والشحنة المتجهة من ينبع إلى الهند أو الصين أو شرق آسيا لديها خياران غير مريحين: إما أن تتحرك جنوبًا عبر باب المندب، أو تتجه شمالًا عبر السويس ثم المتوسط وتدور حول رأس الرجاء الصالح قبل العودة نحو آسيا.
وهنا تستطيع أن ترى لماذا أصبحت الجملة «بين مضيقين» أكثر من مجرد عنوان.
ذكرت Reuters أن تكلفة تأمين ناقلة مرتبطة بالسعودية وتحمل من ينبع ارتفعت إلى نحو 3% من قيمة السفينة، مقارنة بأقل من 1% في بداية يوليو. أما الموانئ السعودية الواقعة جنوب ينبع فقد تصل عليها أقساط مخاطر الحرب إلى 7%، وهي مستويات تقترب من تكلفة عبور هرمز نفسه التي تتراوح تقديراتها بين 6% و9%.
يعني باختصار:
بنيت طريقًا للهروب من الخطر الأول، لكن الخطر الثاني بدأ يرفع فاتورة الطريق البديل.
والأغرب أن الاتحاد الأوروبي نفسه قال إن مهمته البحرية في البحر الأحمر تحتاج إلى أكثر من عشر سفن حربية للتعامل مع التهديد، بينما المتاح كان ست سفن تقريبًا.
هذا لا يعني أن باب المندب مغلق بالكامل.
السفن ما زالت تعبر.
لكن في سوق الطاقة، لا تحتاج إلى إغلاق المضيق حتى تصنع أزمة.
يكفي أن تجعل عبوره مكلفًا بما يكفي.
المشكلة لم تعد كمية النفط… بل تكلفة وصوله
وهنا أعتقد أن المستثمر يحتاج إلى تغيير طريقة قراءة النفط.
نحن معتادون أن نسأل:
كم تنتج السعودية؟
كم تنتج أوبك؟
كم يوجد في المخزونات؟
لكن خلال الحرب الحالية ظهر سؤال جديد قد يكون أهم:
كم يكلف أن توصل البرميل إلى المشتري؟
قبل أشهر أظهرت حسابات Reuters أن رحلة ناقلة من ينبع إلى تايوان عبر باب المندب قد تستغرق نحو 19 يومًا. أما الهروب شمالًا عبر السويس ثم الدوران حول إفريقيا فقد يرفع الرحلة إلى نحو 48 يومًا. وتقديرات الرحلة نفسها رفعت تكلفة الوقود من نحو 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار، إضافة إلى قرابة مليون دولار رسوم عبور قناة السويس.
وهنا تظهر المفارقة.
قد ينخفض خام برنت على الشاشة لأن السوق أصبح متفائلًا بزيادة الإمدادات.
لكن البرميل الذي يصل فعليًا إلى آسيا قد يبقى مكلفًا بسبب الشحن والتأمين والوقت.
بمعنى آخر: سعر النفط شيء… وسعر إيصال النفط شيء آخر.
وهذه نقطة مهمة جدًا للتضخم العالمي.
إذا بقيت تكاليف النقل والطاقة مرتفعة، جزء من الضغط ينتقل إلى شركات الطيران، النقل البحري، البتروكيماويات والصناعة، ثم في النهاية إلى المستهلك.
أي أن مضيقًا صغيرًا على الخريطة يستطيع أن يصل أثره إلى بيانات التضخم في أميركا وأوروبا وآسيا.
هل فشلت الخطة السعودية إذًا؟
لا.
بل بالعكس، خط الشرق–الغرب أثبت لماذا تحتاج الدول المنتجة إلى أكثر من منفذ.
السعودية اليوم أفضل حالًا من منتجين لا يملكون طريقًا بديلًا لهرمز، واستطاعت خلال الأزمة نقل ملايين البراميل غربًا، كما أنها عادت مؤقتًا لزيادة التحميل من الخليج واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب عُمان للحفاظ على التدفقات. لكن هذه الحلول نفسها أصبحت أكثر تكلفة؛ عمليات النقل البديلة وصلت في سبتمبر إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، بينما قفزت بعض تكاليف الشحن إلى أكثر من 30 دولارًا للبرميل.
إذًا الخطة لم تفشل.
الذي فشل هو الاعتقاد أن وجود خط أنابيب واحد يستطيع إلغاء مخاطر المنطقة كلها.
لأن المشكلة لم تعد هرمز فقط.
لدينا هرمز شرقًا، باب المندب جنوبًا، قناة السويس شمالًا، وخط أنابيب طويل داخل اليابسة يمكن استهداف محطات الضخ فيه.
وهذا سيغير طريقة التفكير في أمن الطاقة بعد انتهاء الحرب.
الدول لن تبحث فقط عن حقول جديدة.
ستبحث عن طرق جديدة.
وهنا قد تبدأ استثمارات أكبر في خطوط الأنابيب والموانئ والتخزين والناقلات، لأن امتلاك النفط دون امتلاك طريق آمن لإيصاله أصبح مخاطرة اقتصادية بحد ذاته.
أما بالنسبة للأسواق، فبقاء الضغط على الممرين في الوقت نفسه يعني أن علاوة الخطر في النفط لن تختفي بسهولة. وإذا عاد النفط للصعود، يعود معه التضخم، ثم تعود أسئلة الفائدة والعوائد وحتى الذهب.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال القادم سيكون:
هل عاد خط الشرق–الغرب للعمل؟
السؤال الأهم هو:
إذا أصبح النفط قادرًا على الهروب من هرمز… فهل يجد طريقًا آمنًا بعد أن يصل إلى البحر الأحمر؟
لأن الحرب الحالية علمتنا شيئًا بسيطًا جدًا:
امتلاك البرميل لم يعد كافيًا.
الأهم أن تملك الطريق الذي يستطيع إخراجه.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#النفط #مضيق_هرمز #باب_المندب #السعودية #الطاقة #الذهب #الأسواق #الذهب #الفضة #الدولار #الفيدرالي #الفائدة #السندات #التضخم #الاستثمار #الأسواق #الصين
#Gold #Silver #XAUUSD #XAGUSD #USD #Fed #FOMC #InterestRates #TreasuryYields #Bonds #Inflation #Markets #Investing #China #USChina