الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

الذكاء الاصطناعي يحتاج تريليون دولار… من أين ستأتي الأموال؟

«لا تعرف من كان يسبح عاريًا إلا عندما ينحسر المد.»
— وارن بافيت
الذكاء الاصطناعي اليوم لا يواجه مشكلة تقنية فقط.

يواجه سؤالًا أبسط بكثير، وربما أخطر:

من سيدفع الفاتورة؟

بنك Goldman Sachs يتوقع أن يصل الإنفاق الرأسمالي لأكبر خمس شركات حوسبة سحابية أميركية إلى نحو 1.2 تريليون دولار في 2027، بزيادة تتجاوز 50%، بينما يحتاج هذا الإنفاق ـ وفق تقديرات البنك ـ إلى نحو 300 مليار دولار من إيرادات الذكاء الاصطناعي السنوية حتى يصل إلى نقطة التعادل اقتصاديًا.

مراكز بيانات، رقائق، كهرباء، تبريد، شبكات، أراضٍ وبنية تحتية. الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج يكتبه مجموعة مهندسين داخل مكتب.أصبح صناعة رأسمالية تبتلع المال.

والمشكلة أن هذا يحدث في أسوأ توقيت تقريبًا للحصول على المال الرخيص: الفيدرالي أعاد رفع الفائدة إلى 3.75%–4.00%، ومعظم أعضاء اللجنة يتوقعون تشديدًا إضافيًا، بينما الحكومة الأميركية نفسها تحتاج إلى تمويل عجز ضخم وسوق السندات يطالب بعوائد أعلى.

لهذا أرى أن السؤال الحقيقي حول فقاعة الذكاء الاصطناعي لم يعد:

هل التقنية جيدة؟

بل:

هل يوجد رأس مال كافٍ لتمويل كل الوعود والأحلام التي بُنيت عليها؟

المرحلة الأولى دفعتها الشركات… المرحلة القادمة سيدفعها السوق

في بداية طفرة الـAI كانت المعادلة مريحة نسبيًا.

مياكروسوفت وغيرها تملك تدفقات نقدية ضخمة، ولذلك استطاعت تمويل جزء كبير من التوسع من أموالها الخاصة.

لكن الفاتورة أصبحت أكبر من أن تبقى قصة Cash Flow فقط.

تقديرات S&P Global تشير إلى أن خمس شركات كبرى، بينها Alphabet وAmazon وMeta وMicrosoft وOracle، قد تنفق نحو 750 مليار دولار هذا العام، بما يعادل قرابة 38% من إيراداتها. ومع تسارع الإنفاق بدأت الشركات تتجه بصورة أكبر إلى التمويل الخارجي.

ومن هنا دخل سوق السندات إلى القصة.

شركات مرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي أصدرت خلال الفترة الأخيرة مئات المليارات من الدولارات من الديون، ويتوقع Goldman أن يصل إصدار ديون شركات الـHyperscalers وحدها إلى نحو 420 مليار دولار في 2027، بزيادة 60% عن تقديرات 2026.

يعني نحن لم نعد أمام قطاع يأخذ أرباحه ويعيد استثمارها.

نحن أمام قطاع بدأ يقول لسوق رأس المال:

أعطني أموال اليوم… وسأعطيك عوائد الذكاء الاصطناعي غدًا.

وهذه بالضبط اللحظة التي يصبح فيها الموضوع ماليًا أكثر منه تقنيًا.

لكن السوق نفسه يعاني حرب سيولة

المشكلة أن شركات الذكاء الاصطناعي ليست وحدها التي تريد المال.

الحكومة الأميركية تريد المال لتمويل العجز والدين.

الشركات التقليدية تريد المال.

مشاريع الطاقة والبنية التحتية تريد المال.

ومراكز البيانات تريد المال.

حتى Nvidia، المستفيد الأكبر تقريبًا من طفرة الرقائق، تعمل على حشد شبكة تمويل قد تتجاوز 500 مليار دولار لمساعدة المشترين على تمويل معدات الحوسبة التي تنتجها، من خلال مؤسسات مثل Apollo وBlackRock وBlackstone وKKR وغيرها.

توقف قليلًا عند هذه الفكرة.

عندما تحتاج الشركة التي تبيع المعاول أثناء حمى الذهب إلى المساعدة في تمويل الأشخاص الذين يشترون المعاول… فالسؤال لم يعد فقط عن قوة الطلب.

بل عن قدرة العميل على دفع ثمن الطلب.

وهذا لا يعني أن فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر غدًا.

لكنه يخبرنا أن القطاع دخل مرحلة مختلفة ، وبرأي الشخصي قصة الرهن العقاري تتكرر ، وقصة فقاعة دوت كوم تتكرر, لماذا؟

في البداية كان السؤال: من يريد رقائق أكثر؟

اليوم أصبح السؤال: من سيمول هذه الرقائق؟

وهنا يأتي أثر رفع الفائدة.

كل نقطة إضافية في تكلفة رأس المال تغير حساب المشروع. مركز البيانات الذي يبدو جذابًا عندما يكون التمويل رخيصًا قد يصبح أقل جاذبية عندما تحتاج إلى دفع عائد أعلى للمقرض، بينما الإيرادات المستقبلية نفسها ما تزال غير مؤكدة.

بمعنى أبسط:

ارتفاع الفائدة لا يجعل الذكاء الاصطناعي أقل ذكاءً… لكنه يجعل تمويله أقل تسامحًا.

المشكلة ليست غياب الإيرادات… بل غياب وضوح العائد

وهنا يجب ألا نقع بالنقيض ونقول إن الذكاء الاصطناعي لا ينتج أموالًا.

هذا غير صحيح.

شركة OpenAI مثلًا قالت إن إيرادات الأعمال ارتفعت 32% بين يونيو ويوليو، والشركات التقنية الكبيرة تحقق أصلًا نموًا قويًا من الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي. لكن اللافت أن العملاء أصبحوا يطالبون بصورة أكبر بإثبات Return on Investment حقيقي، حتى إن OpenAI بدأت تجربة تسعير بعض خدماتها وفق النتائج التجارية بدل مجرد الاستخدام.

وهذا الفرق مهم جدًا.

وجود إيراد شيء.

وتبرير تريليون دولار من رأس المال شيء آخر.

حتى سوق السندات بدأ يرسل إشارات واضحة. المستثمرون لا يخافون حاليًا من إفلاس Microsoft أو Alphabet؛ المشكلة أنهم أصبحوا أكثر انتقائية بسبب الكمية الهائلة من الديون وعدم وضوح العائد على رأس المال المستثمر.

لهذا أصبحت فروق العائد على ديون الشركات المرتبطة بالـAI تدور قرب 115 نقطة أساس، مقابل نحو 78 نقطة للسوق الاستثماري الأوسع، وبعض الشركات أصبحت مضطرة إلى تقديم عائد أكبر لجذب المشترين.

السوق لا يقول إن الذكاء الاصطناعي فشل.

هو يقول شيئًا أكثر قسوة:

إذا أردت أموالي، أثبت لي لماذا تستحقها.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

من أين ستأتي التريليون إذًا؟

ستأتي من عدة أماكن معًا: التدفقات النقدية للشركات، السندات، القروض المصرفية، صناديق الائتمان الخاص، شركات الاستثمار والبنية التحتية، وصناديق ومركبات تمويل خاصة تستطيع وضع مراكز البيانات والرقائق خارج الميزانيات المباشرة جزئيًا.

المال موجود.

لكن هذه ليست المشكلة.

المشكلة هي سعر المال.

كلما ارتفعت الفائدة والعوائد، أصبح المستثمر أكثر تطلبًا. وكلما امتلأت محافظ السندات بديون شركات التكنولوجيا، أصبح شراء الإصدار التالي يحتاج إلى عائد أكبر. وكلما تأخر ظهور الأرباح، أصبحت قصة «سندفع اليوم ونربح غدًا» أصعب في التسويق.

ولهذا لا أعتقد أن الخطر الأكبر على طفرة الذكاء الاصطناعي هو أن يكتشف العالم فجأة أن AI بلا فائدة.

الخطر أن تكون التقنية ممتازة… لكن تكلفة بناء المستقبل أسرع من قدرة المستقبل نفسه على توليد النقد.

وهذه مشكلة عرفتها كل طفرة رأسمالية تقريبًا.

فالسكك الحديدية كانت ثورة حقيقية.

الإنترنت كان ثورة حقيقية.

ولم يمنع ذلك المستثمرين من خسارة أموال هائلة عندما سبق رأس المال العائد الاقتصادي الفعلي.

الفقاعة لا تحتاج إلى أن تكون التكنولوجيا كذبة.

يكفي أن يكون السعر الذي دفعناه للحصول على المستقبل أكبر من العائد الذي أعطانا إياه.

لهذا سأراقب في المرحلة القادمة شيئًا أهم من عدد مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

سأراقب سوق الدين.

لأن عندما يبدأ المستثمر بالسؤال عن الضمان والعائد بدل أن يسأل فقط عن النمو… تكون اللعبة قد انتقلت إلى مرحلة مختلفة.

الذكاء الاصطناعي يحتاج تريليون دولار.

والتريليون موجودة.

لكنها لم تعد رخيصة.

وربما السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الطفرة ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير العالم؟

بل:

هل يستطيع أن يربح ما يكفي ليدفع ثمن العالم الذي نبنيه من أجله؟

المستشار عمر جاسم آل صياح

#الذكاء_الاصطناعي #AI #الفائدة #السندات #السيولة #الاستثمار #الأسواق #الفيدرالي