الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

النمو الأمريكي عند 5%… هل هذا يعني اقتصادًا قويًا، أم اقتصادًا يقوم على الحرب؟

هناك رقم بدأ يلفت انتباه السوق: نمو الاقتصاد الأميركي عند 5%.

للوهلة الأولى، الرقم لا يحتاج كثير فلسفة. اقتصاد ينمو 5% بينما الفائدة مرتفعة، النفط مكلف، والعالم يعيش حربًا واضطرابًا جيوسياسيًا؟ المفترض أن نقول ببساطة: أميركا قوية وانتهى النقاش.

لكن هون تبدأ المشكلة.

لأن الـ5% التي نتحدث عنها ليست حتى الآن رقم GDP رسميًا. هي تقدير نموذج GDPNow التابع للاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا لنمو الناتج الحقيقي في الربع الثالث، بمعدل سنوي، وقد بلغ 5.0% في تحديث 25 سبتمبر. أما آخر رقم رسمي للربع الثاني فكان نموًا عند 1.5% فقط.

يعني الاقتصاد لم ينتقل رسميًا من 1.5% إلى 5% بعد.

لكن إذا اقتربت النتيجة النهائية فعلًا من هذا الرقم، يصبح السؤال مثيرًا:

هل أميركا تنمو لأنها أصبحت أكثر إنتاجية… أم لأن الحرب، والذكاء الاصطناعي، والإنفاق الهائل بدأوا جميعًا يضخون أموالًا داخل الناتج؟

أولًا: لا، الحرب ليست هي التي صنعت الـ5%

دعونا نقتل الفكرة السهلة أولًا.

لو كان الاقتصاد الأميركي ينمو 5% أساسًا بسبب الإنفاق العسكري، لكانت أرقام الناتج نفسها تكشف ذلك.

لكن بيانات GDPNow تقول شيئًا مختلفًا.

أكبر مساهم حاليًا في تقدير النمو هو الاستثمار الخاص الحقيقي، الذي يضيف نحو 3.14 نقاط مئوية إلى النمو. وبعده يأتي الاستهلاك الشخصي الحقيقي، بمساهمة تقارب 2.84 نقطة مئوية.

أما الاستثمار الحكومي الحقيقي كله فيضيف نحو 0.4 نقطة مئوية فقط، ومنه مساهمة الحكومة الفيدرالية تقارب 0.3 نقطة.

بمعنى أوضح:

الـ5% ليست 5% حربًا.

المستهلك الأميركي ينفق، والاستثمار الخاص ينمو بقوة، والإنفاق الحكومي موجود لكنه ليس المحرك الأكبر وفق البيانات الحالية.

وهذه نقطة مهمة لأن العنوان المثير سهل جدًا: «أميركا تحارب… لذلك اقتصادها ينمو».

لكن الاقتصاد أكبر من دبابة.

مع ذلك، الطرف الآخر من القصة لا يجب تجاهله.

الإنفاق الدفاعي الأميركي ارتفع بالفعل. بيانات الحسابات القومية تظهر أن إنفاق الحكومة الفيدرالية على الدفاع والاستهلاك والاستثمار الدفاعي كان يدور حول 1.2 تريليون دولار بمعدل سنوي في الربع الثاني، أعلى من الربع الأول. كما أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند توماس باركين قبل أيام إلى قوة قطاعات من بينها الدفاع والتصنيع إلى جانب النشاط الاقتصادي الأوسع.

إذًا الحرب ليست تفسير الـ5%.

لكن اقتصاد الحرب موجود داخل الـ5%.

وهذا فرق كبير.

لكن هل كل نمو يعني اقتصادًا صحيًا؟

هون السؤال الأهم.

الناتج المحلي لا يسأل لماذا أنفقت المال.

هو يسجل أنك أنفقته.

إذا بنت شركة مصنعًا، يرتفع الناتج.

إذا بنت الحكومة جسرًا، يرتفع الناتج.

وإذا اشترت الحكومة صواريخ وطائرات وأنظمة دفاع، يرتفع الناتج أيضًا.

اقتصاديًا هناك فرق بين هذه الأنواع من الإنفاق على المدى الطويل، لكن معادلة GDP تسجل النشاط الاقتصادي الذي حدث.

وهنا تظهر المفارقة القديمة في اقتصاد الحرب.

قد تكون الحرب مأساة بشرية وعبئًا ماليًا طويل الأجل، بينما تبدو بعض أرقام النشاط الاقتصادي في المدى القصير أقوى بسبب زيادة الإنتاج والطلبيات والإنفاق الحكومي.

المصانع تعمل.

شركات الدفاع تحصل على عقود.

العمال يتقاضون رواتب.

سلاسل الإمداد تتحرك.

وكل هذا يدخل الناتج.

لذلك GDP يستطيع قياس حجم النشاط، لكنه لا يخبرك وحده بجودة هذا النشاط.

وهذه من أكثر النقاط التي ينسى الناس الحديث عنها عندما يحتفلون برقم نمو مرتفع.

المشكلة الأكبر ليست الحرب… بل كيف تموّل أميركا هذا النمو

الاقتصاد الأميركي اليوم يعيش ثلاث موجات إنفاق ضخمة في الوقت نفسه.

الحكومة لديها إنفاق وعجز ودين مرتفع.

قطاع الدفاع يستفيد من بيئة جيوسياسية شديدة التوتر.

وقطاع الذكاء الاصطناعي يدخل أكبر دورة إنفاق رأسمالي ربما منذ عقود: مراكز بيانات، رقائق، كهرباء، شبكات، وتمويل بمئات المليارات.

أي أن الاقتصاد فعلاً ينمو.

لكن جزءًا مهمًا من النمو يحتاج رأس مال ضخمًا جدًا.

وهنا يأتي السؤال الذي لا يظهر داخل رقم GDP:

كم يكلف تمويل هذا النمو؟

الفيدرالي رفع الفائدة مؤخرًا إلى نطاق 3.75%–4.00%، وعوائد السندات طويلة الأجل ارتفعت، والحكومة الأميركية نفسها تنافس الشركات على السيولة.

يعني تستطيع أن تحصل على اقتصاد ينمو بسرعة… وفي الوقت نفسه تحصل على تكلفة مال ترتفع بسرعة.

وهذا ليس تناقضًا.

بل ربما هذا بالضبط ما يحدث.

الاقتصاد القوي يعطي الفيدرالي سببًا ليبقي الفائدة مرتفعة.

الفائدة المرتفعة ترفع تكلفة تمويل الحكومة والشركات.

ثم تحتاج الحكومة إلى إصدار دين أكبر.

ويحتاج الذكاء الاصطناعي إلى سندات وقروض أكثر.

ويحتاج قطاع الدفاع إلى موازنات أكبر.

وفجأة يصبح النمو نفسه أحد الأسباب التي تزيد حرب السيولة التي نتحدث عنها.

وهنا يصبح رقم 5% سيئًا للذهب… وربما جيدًا له لاحقًا

في المدى القصير، اقتصاد ينمو قرب 5% ليس خبرًا لطيفًا للذهب.

لماذا؟

لأن السوق سيقول: الاقتصاد يتحمل.

إذًا الفيدرالي يستطيع إبقاء الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها مجددًا.

ترتفع العوائد، يقوى الدولار، ويتعرض الذهب للضغط.

هذه القراءة منطقية جدًا.

لكن على المدى الأطول يوجد نقيض.

إذا كان جزء من هذا النمو يعتمد على إنفاق رأسمالي استثنائي، إنفاق دفاعي أكبر، عجوزات حكومية وتمويل بالدين، فإن المستثمر سيبدأ لاحقًا بسؤال مختلف:

كم دينًا احتجنا حتى نصنع هذا النمو؟

وهنا تعود قصة الذهب من باب آخر.

ليس بسبب ضعف الاقتصاد.

بل بسبب تكلفة استمرار قوته.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية غريبة جدًا.

أميركا قد تكون بالفعل اقتصادًا قويًا.

والاستهلاك قوي.

والاستثمار الخاص قوي.

والذكاء الاصطناعي يدفع موجة رأسمالية ضخمة.

والدفاع والتصنيع يستفيدان من الطلب الجديد.

كل هذا حقيقي.

لكن الصحيح أيضًا أن الدولة تنفق أكثر، تقترض أكثر، تدفع فوائد أعلى، وتعيش داخل عالم يحتاج إلى إنفاق دفاعي أكبر مما كان يحتاجه قبل سنوات.

إذًا لا أحب السؤال:

هل الاقتصاد الأميركي قوي أم اقتصاد حرب؟

لأن الجواب قد يكون:

الاقتصاد قوي… والحرب أصبحت واحدة من الصناعات التي تضيف إلى هذه القوة في الوقت نفسه.

المشكلة تبدأ إذا احتاج الاقتصاد إلى استمرار الحروب، واستمرار العجز، واستمرار دورة الإنفاق الهائل حتى يحافظ على معدلات نمو مرتفعة.

هناك فرق كبير بين اقتصاد ينمو لأنه أصبح ينتج أكثر بكفاءة…

واقتصاد ينمو لأنه أصبح ينفق أكثر حتى يحافظ على الحركة.

لذلك لن أحتفل بالـ5%، ولن أعتبرها رقمًا مزيفًا أيضًا.

سأنتظر الرقم الرسمي في أكتوبر، وسأراقب تركيبته.

كم جاء من الاستهلاك؟

كم جاء من الاستثمار؟

كم جاء من المخزون؟

كم جاء من الحكومة والدفاع؟

وكم من هذا النمو يستطيع الاستمرار عندما تصبح الأموال أغلى؟

لأن السؤال الحقيقي ليس:

هل تستطيع أميركا أن تحقق نموًا عند 5%؟

بل:

كم ستدفع أميركا حتى تحافظ على هذا النمو… ومن سيمول الفاتورة؟

المستشار عمر جاسم آل صياح

#الاقتصاد_الأمريكي #GDP #الدولار #الفيدرالي #السندات #الذهب #الدفاع #الذكاء_الاصطناعي #الأسواق