النفط يتدفق من الخليج أكثر من أي وقت منذ الحرب… فلماذا يرتفع السعر؟
هناك رقم يفترض، نظريًا، أن يدفع النفط إلى الهبوط.
صادرات الخام من كبار منتجي الشرق الأوسط ارتفعت في سبتمبر إلى نحو 12.8 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب في فبراير. السعودية وحدها تتجه لتصدير نحو 5.4 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بنحو 2.45 مليون فقط في أغسطس، بينما ارتفعت التدفقات عبر مضيق هرمز إلى قرابة 7.4 ملايين برميل يوميًا.
يعني البراميل عادت.
الناقلات عادت.
وهذا يفترض أن يريح السوق.
لكن برنت فعل العكس، وصعد اليوم بأكثر من 3% إلى قرابة 108 دولارات للبرميل.
فكيف يرتفع النفط في اليوم نفسه الذي نكتشف فيه أن الخليج يصدر أكثر من أي وقت منذ بداية الحرب؟
لأن السوق لا يسعّر فقط كم برميل خرج اليوم.
هو يسعّر أيضًا كم برميل قد لا يخرج غدًا، وكم أصبح ثمن وصول البرميل إلى المشتري.
وهون تبدأ القصة الحقيقية.
التدفقات تعافت… لكنها لم تعد طبيعية
أول خطأ يمكن أن نقع فيه هو اعتبار رقم 12.8 مليون برميل يوميًا عودة كاملة للسوق.
قبل الحرب كانت صادرات المنطقة تدور قرب 18.8 مليون برميل يوميًا.
يعني حتى بعد هذا التعافي الكبير، ما تزال السوق أقل بنحو 6 ملايين برميل يوميًا عن مستويات فبراير، أي بفجوة تقترب من الثلث.
والسعودية مثال واضح.
شحنات رأس تنورة قفزت من نحو 929 ألف برميل يوميًا في أغسطس إلى قرابة 3.6 ملايين في سبتمبر، وخرجت 19 ناقلة عملاقة من هرمز خلال أسبوع واحد، تحمل كل واحدة قرابة مليوني برميل.
رقم ضخم.
لكنه ما يزال أقل من التدفقات السعودية التي كانت تمر من المنطقة قبل الحرب.
يعني السوق لم يعد من الأزمة إلى الوضع الطبيعي.
هو انتقل من وضع كارثي إلى وضع أقل سوءًا.
والفرق مهم جدًا.
لو مرض شخص وتحسنت حرارته من 40 إلى 38.5 درجة، نقول إنه يتحسن.
لكن لا نقول إنه أصبح سليمًا.
سوق النفط اليوم في الحالة نفسها تقريبًا.
النفط موجود… لكن الطريق إليه أصبح غاليًا جدًا
القصة الثانية، وربما الأهم، هي أن زيادة الكمية لا تعني أن تكلفة البرميل عادت كما كانت.
خلال سبتمبر توسعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى سفينة قرب عُمان إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.4 مليون في أغسطس، بعدما بدأت السعودية ودول خليجية تستخدم هذه الطريقة لتجاوز المخاطر الموجودة داخل هرمز والبحر الأحمر.
الفكرة عبقرية لوجستيًا.
ناقلة صغيرة أو متوسطة تحمل الخام من داخل الخليج، ثم تخرج به إلى منطقة أكثر أمانًا، وهناك تنقله إلى ناقلة عملاقة تكمل الرحلة.
لكن العبقرية ليست مجانية.
تكلفة نقل بعض شحنات الخليج إلى آسيا تجاوزت 30 دولارًا للبرميل، بينما وصلت عمليات النقل من سفينة إلى أخرى نفسها إلى حدود قدرتها الاستيعابية.
يعني يمكنك أن تقول إن البرميل خرج من الخليج.
لكن السؤال الذي يهم المصفاة الصينية أو الهندية:
بكم وصل؟
وهنا يجب أن نفرق بين شيئين:
سعر إنتاج النفط.
وسعر إيصال النفط.
السوق العالمي لا يعيش نقصًا في الآبار فقط.
يعيش نقصًا في الطرق الرخيصة والآمنة.
ولهذا يمكن أن ترتفع الصادرات ويظل السعر مرتفعًا في الوقت نفسه.
لأن العالم حصل على البراميل… لكنه يحصل عليها بكلفة حرب.
والمشكلة الأكبر انتقلت من الخام إلى الديزل
هناك نقطة ثالثة تجعل قراءة النفط من خلال برنت وحده ناقصة.
العالم اليوم لا يعاني فقط من مشكلة في الخام.
هناك أزمة في المنتجات المكررة.
أسعار الديزل العالمية وصلت إلى مستويات قياسية بعد تضرر مصافٍ في الشرق الأوسط وروسيا وتراجع الصادرات من بعض أكبر المنتجين، بينما تعمل كثير من المصافي العالمية أصلًا قرب طاقتها القصوى. في الولايات المتحدة كانت مخزونات الديزل أقل بنحو 15% من متوسط السنوات الخمس الموسمي رغم ارتفاع تشغيل المصافي إلى أعلى مستوى في ثماني سنوات.
وهذا مهم جدًا.
لأن الاقتصاد لا يشرب النفط الخام.
الشاحنات تحتاج ديزل.
المزارع تحتاج ديزل.
المصانع تحتاج ديزل.
والطائرات تحتاج وقودًا مكررًا.
يمكنك أن تزيد صادرات الخام، لكن إذا لم تستطع تحويله إلى المنتج الذي يحتاجه المستهلك، تبقى الأزمة موجودة.
ولهذا السوق يقول حاليًا:
شكرًا على البراميل الإضافية…
لكن أين الوقود؟
لماذا صعد النفط اليوم تحديدًا؟
لأن السوق بدأ هذا الأسبوع بإعادة جزء من علاوة الخطر السياسي إلى السعر.
برنت قفز اليوم بأكثر من 3% بعدما تراجعت توقعات التوصل إلى اختراق سريع في المفاوضات الأميركية الإيرانية، بينما استمرت المخاطر المرتبطة بهرمز واليمن والممرات البحرية. وفي الوقت نفسه ما تزال أزمة الديزل والتكرير تضغط على سوق المنتجات النفطية.
وهنا نفهم أهم قاعدة في النفط:
السعر لا يتحرك على البرميل الموجود… بل على البرميل الهامشي الذي يخشى السوق فقدانه.
السوق يعرف أن 12.8 مليون برميل تتدفق الآن.
لكن ماذا لو تعرضت خمس ناقلات لهجوم؟
ماذا لو تعطلت مجددًا محطة في خط الشرق–الغرب؟
ماذا لو أصبح باب المندب أخطر؟
ماذا لو توقفت المفاوضات نهائيًا؟
هذا الجزء من السعر لا يسمى إمدادات.
يسمى خطر الإمدادات.
وهو الفرق بين سوق طبيعي وسوق حرب.
لهذا لا أرى تناقضًا في أن ترتفع صادرات الخليج ويرتفع النفط في الوقت نفسه.
البراميل التي تخرج اليوم خففت احتمال حدوث نقص فوري.
لكنها لم تصلح الممرات البحرية.
لم تُصلح المصافي.
لم تُخفض تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات ما قبل الحرب.
ولم تُعد صادرات المنطقة إلى 18.8 مليون برميل يوميًا.
بمعنى أوضح:
الخليج نجح في إعادة النفط إلى البحر… لكنه لم ينجح بعد في إعادة البحر إلى طبيعته.
وهذه هي النقطة التي سيراقبها السوق خلال المرحلة القادمة.
إذا استمرت صادرات الخليج بالارتفاع، وانخفضت تكلفة الشحن، وتعافت المصافي، وهدأت المخاطر السياسية، عندها يبدأ السعر بفقدان علاوة الحرب فعلًا.
أما إذا بقيت البراميل تتحرك عبر حلول استثنائية مكلفة، بينما الديزل نادر والممرات البحرية معرضة للهجوم، فقد يبقى النفط مرتفعًا حتى مع زيادة الصادرات.
لذلك عندما ترى رقم 12.8 مليون برميل، لا تسأل فقط:
كم نفطًا خرج؟
اسأل:
كم بقي من النفط مفقودًا… وكم دفع العالم حتى يستطيع إخراج الموجود؟
لأن في سوق النفط الحالي، المشكلة لم تعد فقط في كمية البراميل.
المشكلة في ثمن إبقائها تتحرك.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#النفط #مضيق_هرمز #السعودية #الخليج #الطاقة #التضخم #الفيدرالي #الذهب #الأسواق