الذهب لم يعد يتحرك كما كان قبل 2022… ماذا تغير؟
«الذهب ما يزال يمثل الشكل النهائي للدفع في العالم… الذهب مقبول دائمًا.»
— آلان غرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق
لأعوام طويلة كانت قراءة الذهب أسهل مما هي عليه اليوم. ترتفع العوائد الحقيقية على السندات الأميركية، يصبح الاحتفاظ بالذهب أكثر تكلفة لأنه لا يدفع فائدة، فيتعرض السعر للضغط. يقوى الدولار، فيأتي عامل سلبي إضافي. لم تكن المعادلة مثالية، لكنها كانت تفسر جزءًا كبيرًا من حركة المعدن.
اليوم لدينا مشكلة مع هذه المعادلة.
عوائد السندات الأميركية وصلت إلى مستويات لم نشاهدها منذ أكثر من عقدين، والدولار قوي، والفيدرالي عاد إلى التشديد، ومع ذلك بقي الذهب فوق مستويات كان من الصعب تخيلها قبل سنوات. حتى بعد التصحيحات العنيفة الأخيرة، ما زال السعر أعلى بكثير مما كان النموذج التقليدي للفائدة والدولار وحدهما قادرًا على تفسيره.
وهنا يظهر السؤال الأهم: هل أصبح الذهب أغلى من اللازم… أم أن السوق نفسه بدأ يسعّر الذهب بطريقة مختلفة؟
برأيي، ما حدث منذ 2022 ليس إلغاءً للعلاقة القديمة، بل إضافة طبقة جديدة فوقها. الفائدة ما زالت مهمة، والدولار ما زال مهمًا، لكنهما لم يعودا وحدهما من يحددان السعر.
عام 2022 غيّر السؤال الذي تطرحه البنوك المركزية
بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتجميد جزء كبير من الاحتياطيات الروسية الموجودة في الخارج، حدث شيء أكبر من العقوبات نفسها.
تلقت البنوك المركزية رسالة واضحة: الاحتياطيات الأجنبية ليست فقط أصولًا مالية تحقق عائدًا، بل أصول موجودة داخل نظام سياسي وقانوني تستطيع الدول المسيطرة عليه تقييد الوصول إليها في ظروف معينة.
وهنا بدأ الذهب يحصل على ميزة لم تكن السوق تعطيها الوزن نفسه سابقًا.
السند الأميركي يدفع فائدة، لكنه التزام على جهة أخرى. الوديعة المصرفية التزام على بنك. العملة الأجنبية مرتبطة بالنظام المالي للدولة التي تصدرها. أما الذهب المملوك مباشرة والمخزن داخل الدولة، فلا يمثل التزامًا ماليًا على طرف آخر.
وهذا لا يعني أن البنوك المركزية قررت الهروب من الدولار. الدولار ما زال يهيمن على الاحتياطيات العالمية بفارق كبير، ولا يوجد حتى الآن بديل قادر ببساطة على أخذ مكانه.
لكن بين «التخلي عن الدولار» و«تقليل الاعتماد الكامل عليه» توجد مساحة ضخمة، والذهب أصبح أحد أكبر المستفيدين منها.
مجلس الذهب العالمي يقول إن البنوك المركزية اشترت في المتوسط قرابة ألف طن من الذهب سنويًا خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقارنة بنحو 500 طن سنويًا في العقد السابق. وفي استطلاع هذا العام، قال 89% من مسؤولي الاحتياطيات إنهم يتوقعون ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا القادمة، بينما توقع 45% زيادة احتياطيات مؤسساتهم نفسها.
هذا النوع من المشترين لا يفكر مثل المضارب الذي يفتح الشاشة صباحًا ويرى أن عائد العشر سنوات ارتفع عشر نقاط أساس فيقرر بيع الذهب.
البنك المركزي يستطيع أن يشتري لأسباب تمتد لعشر أو عشرين سنة.
وهنا تغير نوع الطلب قبل أن يتغير السعر.
هناك جزء من سعر الذهب لا تفسره الفائدة والدولار وحدهما
وهنا نصل إلى الرقم المثير.
تحليل نشرته رويترز مؤخرًا نقل عن نيكي شيلز، استراتيجية المعادن في شركة «إم كيه إس بامب»، تقديرًا بأن الذهب يحمل اليوم علاوة هيكلية تقارب 840 دولارًا للأونصة فوق المستوى الذي يمكن أن تفسره المتغيرات التقليدية مثل العوائد الحقيقية والدولار.
هذه الـ840 دولارًا ليست حقيقة فيزيائية، ولا «قيمة عادلة» متفقًا عليها في السوق. هي نتيجة نموذج تحليلي، ويمكن لأي نموذج أن يخطئ أو تتغير افتراضاته.
لكن أهميتها ليست في الرقم نفسه.
أهميتها أنها تحاول قياس ظاهرة نراها أمامنا: لماذا لم تعد العوائد المرتفعة قادرة وحدها على دفع الذهب إلى المستويات التي كان يفترضها النموذج القديم؟
التفسير هو أن السوق أضاف عوامل جديدة إلى التسعير: تنويع الاحتياطيات، المخاطر الجيوسياسية، الخوف من تآكل قيمة العملات، العقوبات المالية، وتصاعد التساؤلات حول حجم الدين والعجز في الاقتصادات الكبرى.
بصياغة أبسط، الذهب قبل 2022 كان يتنافس بقوة مع السند على سؤال: من يعطيني عائدًا أفضل؟
أما الذهب بعد 2022 فأصبح ينافسه أيضًا على سؤال آخر: أين أضع جزءًا من ثروتي إذا كنت أريد أصلًا لا يعتمد بالكامل على وعد من طرف آخر؟
والسؤال الثاني لا يختفي تلقائيًا لأن العائد ارتفع من 4% إلى 5%.
لكن لا تدفنوا العوائد… فهي ما زالت قادرة على إيذاء الذهب
هنا تماماً لازم نذكر النقيض حتى لا نحول فكرة «النظام الجديد» إلى قصة جديدة نصدقها بلا شروط.
العوائد ما زالت مهمة جدًا.
عندما ترتفع العوائد الحقيقية ويقوى الدولار، يتعرض الذهب للضغط، وقد رأينا ذلك بوضوح خلال التصحيح الأخير. بل إن العوائد المرتفعة تستطيع أن تضغط على الذهب أشهرًا، وربما تدفعه إلى تصحيحات أعمق مما يتوقعه من اشترى فقط لأن «البنوك المركزية تشتري» ، لكن أبداً لن تكسر هيكله الأساسي الذي دفعه لصعود.
ليبقى الجديد ليس أن الفائدة ماتت.
الجديد أن قدرتها على تفسير السعر تراجعت.
لذلك أرى أن الذهب اليوم أصبح يمتلك طبقتين من التسعير. الطبقة الأولى قصيرة ومتوسطة الأجل، وتحكمها الفائدة، العوائد الحقيقية، الدولار والسيولة. والطبقة الثانية هيكلية، وتحكمها سياسات الاحتياطيات، الدين، الجغرافيا السياسية والثقة بالنظام النقدي.
الطبقة الأولى قد تهبط بالسعر مئات الدولارات.
لكن الطبقة الثانية هي التي قد تفسر لماذا لا يعود الذهب بسهولة إلى الأسعار التي كانت تبدو منطقية قبل 2022.
ولهذا فإن المستثمر الذي يسأل اليوم: «العائد فوق 5%، لماذا لم يعد الذهب إلى ألفي دولار؟» ربما يستخدم نموذجًا صحيحًا… لكن لمرحلة انتهت.
حتى يعود الذهب فعلًا إلى نظامه القديم، لا يكفي أن ترتفع الفائدة. نحتاج أن تتراجع مشتريات البنوك المركزية، تهدأ دوافع تنويع الاحتياطيات، تنخفض المخاطر الجيوسياسية، وتتحسن الثقة بالمسار المالي للدول الكبرى بصورة واضحة.
حتى الآن، هذه الأشياء لم تحدث معًا.
لذلك لا أعتقد أن الذهب انفصل عن الاقتصاد، ولا أنه أصبح أصلًا يصعد مهما حدث. لكنه على الأرجح أصبح يُسعّر على أساس مجموعة أوسع من الأسباب مما كان عليه قبل أربع سنوات.
وهنا تصبح الجملة الأهم:
الذهب لم يعد أقل حساسية للفائدة لأنه نسي الفائدة… بل لأن السوق أعطاه أسبابًا جديدة للبقاء مرتفعًا رغمها.
لهذا ربما السؤال الذي يجب أن نتوقف عن طرحه هو: متى يعود الذهب إلى سلوكه القديم؟
والسؤال الأذكى أصبح:
ماذا لو أن السلوك القديم نفسه لم يعد النموذج الكامل لتسعير الذهب؟
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #الدولار #السندات #الفيدرالي #الفائدة #البنوك_المركزية #الاحتياطيات #الاستثمار #الأسواق