السعر الحقيقي للذهب
«السعر هو ما تدفعه… والقيمة هي ما تحصل عليه.»
— وارن بافيت، ناقلًا عن بنجامين غراهام
اسأل عشرة محللين اليوم عن السعر العادل للذهب، وعلى الأغلب ستحصل على أكثر من عشرة أرقام.
واحد سيقول إن الذهب فوق قيمته لأن عوائد السندات تجاوزت 5%. والثاني سيقول إن السعر الحالي منطقي بسبب مشتريات البنوك المركزية. والثالث سيأخذ قمة 1980 ويعدلها بالتضخم، والرابع سيقارن الذهب بحجم السيولة العالمية، والخامس سيخبرك أن الأونصة يجب أن تساوي رقمًا مختلفًا تمامًا لأن الدين الأميركي تجاوز مستويات تاريخية.
والبعض ينطلق من ان الذهب، عكس السهم، لا يملك أرباحًا مستقبلية نستطيع خصمها، ولا تدفقات نقدية، ولا توزيعات، ولا عقارًا نستطيع حساب إيجاره. لذلك لا توجد شاشة نضع عليها معادلة واحدة ثم نخرج ونقول: السعر الحقيقي للذهب هو 3,742 دولارًا، وأي شيء فوقه فقاعة.
ومع ذلك توجد عدة طرق يمكن من خلالها الاقتراب من قيمته العادلة: نموذج الفائدة الحقيقية والدولار، نموذج العلاوة الهيكلية ومشتريات البنوك المركزية، مقارنة القوة الشرائية والتضخم، مقارنة الذهب بالسيولة والمعروض النقدي، مقارنته بالدين العالمي، استخدام النسب التاريخية مثل الذهب مقابل الفضة أو النفط والأسهم، تكلفة إنتاج التعدين، وأخيرًا النماذج الإحصائية والدورية والفنية التي لا تقيس «القيمة» بالمعنى التقليدي بقدر ما تحاول تحديد المنطقة السعرية التي يفترض أن يتحرك ضمنها الأصل ، وهذا الخطأ الذي يربك المستثمرين والمحللين وهو أن الكل يريد معرفة القيمة العادلة بطريقة واحدة ، في حين لا توجد طريقة واحدة تعطي رقم وإنما طرق تعطي عدة قيم تعرف من خلالها ما هو النطاق الذي يجب أن يكون عنده السعر أو ما تعريف السعر عند هذا النطاق ( مرتفع أم منخفض )
وفي هذا المقال سنبدأ بأهم طريقتين… لأن المقارنة بينهما تشرح تقريبًا لماذا يبدو الذهب اليوم غاليًا جدًا ورخيصًا جدًا في اللحظة نفسها.
الطريقة الأولى: ماذا لو عاملنا الذهب بالطريقة القديمة؟
هذه هي المدرسة التي حكمت الذهب لسنوات طويلة.
الذهب لا يعطي فائدة، لذلك المستثمر يقارن بينه وبين أصل يعطي فائدة مثل السند الأميركي. كلما ارتفعت العوائد الحقيقية، أي العائد بعد خصم التضخم المتوقع، أصبحت تكلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى.
ويرتبط بذلك الدولار.
إذا ارتفعت العملة الأميركية، يصبح شراء الذهب أغلى نسبيًا للمستثمر الذي يحمل عملة أخرى، ويزداد الضغط على السعر.
ولهذا كان النموذج التقليدي بسيطًا نسبيًا:
عوائد حقيقية أعلى ودولار أقوى تعنيان عادة قيمة عادلة أقل للذهب.
وهذا النموذج ليس فكرة شعبية اخترعها المتداولون. مجلس الذهب العالمي نفسه يضع تكلفة الفرصة البديلة، الممثلة بالفائدة والعملات، ضمن المحركات الأساسية لحركة الذهب إلى جانب المخاطر والنمو والزخم.
ولو استخدمنا هذه العدسة وحدها اليوم، ستظهر مشكلة واضحة.
عوائد السندات الأميركية عند مستويات مرتفعة جدًا تاريخيًا، والدولار ما يزال قويًا، والفيدرالي لا يعطي السوق بيئة نقدية مريحة. وفق العالم القديم، يفترض أن يتعرض الذهب لضغط أقسى بكثير مما نراه.
وقد تعرض فعلًا للضغط؛ هبط مؤخرًا إلى قرب 4,100 دولار قبل أن يعود نحو 4,200 دولار.
لكن هنا السؤال:
لماذا بقي أصل لا يدفع فائدة فوق 4,000 دولار بينما يستطيع المستثمر الحصول على أكثر من 5% في سوق السندات؟
إذا كان نموذج الفائدة والدولار كاملًا، فهناك شيء لا يركب في المعادلة.
وهذا يقودنا مباشرة إلى الطريقة الثانية.
الطريقة الثانية: ماذا لو أصبح للذهب «علاوة استراتيجية»؟
منذ 2022، بدأ نموذج آخر يظهر بقوة.
الفكرة تقول إن الذهب لم يعد يُشترى فقط من المستثمر الذي يقارن بينه وبين السند، بل دخل إلى السوق مشترٍ مختلف تمامًا: البنك المركزي الذي يريد تنويع احتياطياته وتقليل اعتمادها على أصل يصدره طرف آخر.
وهذا المشتري لا يسأل السؤال نفسه.
المستثمر يقول: كم يعطيني السند؟
البنك المركزي قد يسأل: ماذا أملك إذا تغير النظام السياسي، فُرضت عقوبات، تجمدت احتياطيات، أو أصبح الاعتماد على عملة واحدة أكبر مما أريد؟
هنا تظهر قيمة لا تستطيع الفائدة وحدها قياسها.
تحليل نقلته رويترز عن نيكي شيلز من شركة «إم كيه إس بامب» يقدّر أن الذهب يحمل حاليًا علاوة هيكلية تقارب 840 دولارًا للأونصة مرتبطة بتنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتآكل قيمة العملات، والمخاطر الجيوسياسية.
يجب أن ننتبه: هذا الرقم ليس «قانون الذهب»، ولا يعني أننا ببساطة نأخذ سعرًا نظريًا ونضيف إليه 840 دولارًا فنحصل على الحقيقة.
هو نموذج.
لكن النموذج يحاول تفسير ظاهرة حقيقية جدًا: هناك جزء من سعر الذهب لم تعد العوائد والدولار وحدهما قادرين على تفسيره.
والأرقام الموجودة خلف الفكرة مهمة أيضًا. البنوك المركزية اشترت في السنوات الأخيرة ذهبًا بمعدلات تقارب ضعف متوسط العقد السابق، واستطلاع مجلس الذهب العالمي أظهر أن 89% من مسؤولي الاحتياطيات يتوقعون زيادة حيازات البنوك المركزية عالميًا خلال العام المقبل، بينما يتوقع 45% زيادة حيازات مؤسساتهم نفسها.
يعني لدينا طلب لا يطارد شمعة يومية.
لدينا طلب يفكر بعقود.
أي النموذجين أقرب إلى «السعر الحقيقي»؟
هنا تبدأ المتعة.
النموذج الأول يقول: الذهب اليوم غالٍ نسبيًا إذا نظرنا فقط إلى الفائدة والدولار.
النموذج الثاني يقول: أنت أصلًا تستخدم ميزانًا قديمًا لقياس أصل تغيرت وظيفته داخل النظام المالي.
والحقيقة، برأيي، ليست أن واحدًا منهما صحيح والآخر خاطئ.
السعر الحالي قد يكون حاصل تصادم النموذجين معًا.
العوائد المرتفعة تسحب الذهب إلى الأسفل.
وفي الطرف المقابل، مشتريات البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية وتنويع الاحتياطيات تضع أرضية أعلى من الأرضية التي عرفناها قبل 2022.
ولهذا يمكن أن يهبط الذهب بقوة عندما ترتفع العوائد… لكنه لا يعود بالضرورة إلى الأسعار التي يتوقعها النموذج القديم.
بمعنى أدق:
الطريقة الأولى تسأل: كم يستحق الذهب باعتباره أصلًا ينافس السند؟
أما الثانية فتسأل: كم يستحق الذهب باعتباره احتياطيًا وتأمينًا نقديًا لا يمثل التزامًا على أحد؟
والفرق بين السؤالين قد يكون مئات الدولارات في الأونصة.
لكن هنا لم نصل بعد إلى السعر الحقيقي.
لأننا لم نسأل بعد ماذا يحدث إذا قسنا الذهب بالقوة الشرائية والتضخم، ولا ماذا يحدث إذا قارناه بحجم السيولة والمعروض النقدي والدين، ولم نضع السعر الحالي أمام قمم 1980 و2011 بعد تعديلها، ولم نستخدم النسب التاريخية، ولا النماذج الدورية والإحصائية التي أعطتنا سابقًا مناطق سعرية مختلفة تمامًا.
وقد تكون المفاجأة أن بعض هذه الطرق ستقول إن الذهب غالي جدًا…
وبعضها الآخر قد يقول إن رحلة إعادة التسعير لم تنتهِ أصلًا.
لذلك هذا المقال لا ينتهي هنا.
في الجزء القادم سنبدأ بالطريقة الثالثة: كم يجب أن يساوي الذهب إذا كان هدفه الحقيقي حفظ القوة الشرائية؟
ثم سنقارنه بالسيولة والدين.
وعندها سنقترب خطوة أخرى من السؤال الذي يبدو بسيطًا، لكنه ليس بسيطًا أبدًا:
ما هو فعلًا السعر الحقيقي للذهب؟
يتبع…
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #السعر_العادل #الدولار #الفائدة #السندات #البنوك_المركزية #التضخم #الاستثمار #الأسواق