الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

السعر الحقيقي للذهب – الجزء الثاني
هل الذهب فوق قيمته… أم أن قيمة الدولار نفسها هي التي تغيّرت؟

«المال هو الذهب… ولا شيء آخر.»
— جي. بي. مورغان، أمام لجنة مصرفية في الكونغرس الأميركي عام 1912
في الجزء الأول وصلنا إلى نتيجة مزعجة قليلًا: لا يوجد «سعر عادل» واحد للذهب.

عندما نقيسه بالفائدة والدولار، يبدو الذهب مرتفعًا. وعندما نضيف مشتريات البنوك المركزية والعلاوة الجيوسياسية التي ظهرت بصورة أوضح بعد 2022، يصبح جزء كبير من هذا الارتفاع قابلًا للتفسير.

لكن بقي سؤال أهم.

ماذا لو كنا نقيس الذهب أصلًا بالأداة الخطأ؟

نحن نقول إن الأونصة تساوي اليوم أكثر من 4,000 دولار. لكن الدولار نفسه فقد جزءًا من قوته الشرائية خلال العقود الماضية، وحجم الأموال الموجودة في النظام تضاعف مرات، والدين الأميركي انتقل من بضعة تريليونات إلى أكثر من 40 تريليون دولار.

إذًا قبل أن نقول إن الذهب غالٍ، هناك سؤال يجب أن يسبق الحكم:

هل ارتفع الذهب فعلًا… أم أن وحدة القياس التي نقيسه بها أصبحت أصغر؟

وهنا نصل إلى الطريقة الثالثة والرابعة لتقدير «السعر الحقيقي» للذهب.

الطريقة الثالثة: ماذا لو عدّلنا الذهب بالتضخم فقط؟

هذه ربما أبسط طريقة.

نأخذ القمم التاريخية للذهب ونصححها بقيمة الدولار الحالية.

قمة الذهب الشهيرة في يناير 1980 وصلت إلى نحو 850 دولارًا للأونصة. في ذلك الوقت كان مؤشر أسعار المستهلك الأميركي يدور قرب 78 نقطة، بينما وصل في أغسطس 2026 إلى أكثر من 334 نقطة.

إذا عدّلنا سعر 850 دولارًا بالتضخم فقط، نحصل اليوم على رقم يقارب 3,650 دولارًا للأونصة.

هنا تبدأ المفاجأة.

الذهب اليوم قرب 4,200 دولار، أي أنه أصبح أعلى حتى من القمة التاريخية لعام 1980 بعد تصحيحها بالتضخم.

ونستطيع تكرار العملية مع قمة 2011.

عندما وصل الذهب إلى نحو 1,900–1,920 دولارًا، كان مؤشر الأسعار الأميركي يدور قرب 226 نقطة. بعد تعديل هذه القمة إلى قيمة الدولار الحالية، نحصل على سعر يقارب 2,800–2,850 دولارًا فقط.

وفق هذا النموذج، الصورة واضحة:

الذهب اليوم غالٍ.

ليس غاليًا اسميًا فقط، بل تجاوز أيضًا أهم القمم التاريخية بعد تعديلها بالقوة الشرائية للدولار.

وهنا يستطيع الشخص الذي يؤمن بوجود فقاعة في الذهب أن يقول: انتهى النقاش.

لكن المشكلة أن النقاش لم يبدأ أصلًا.

لأن هذه الطريقة تفترض ضمنيًا أن الذهب يجب أن يحافظ فقط على القوة الشرائية التي فقدها الدولار.

وهذا افتراض ضخم.

الذهب لا يتحرك مع التضخم نقطة بنقطة. بل حتى الدراسات التاريخية لمجلس الذهب العالمي تشير إلى أن العلاقة بين التضخم وسعر الذهب ليست مستقيمة، وأن المعدن قد يقضي سنوات أعلى أو أدنى كثيرًا من القيمة التي توحي بها أسعار المستهلك.

التضخم يخبرنا كم فقد الدولار من القوة الشرائية.

لكنه لا يخبرنا كم يجب أن يدفع المستثمر مقابل الخوف، أو أزمة دين، أو حرب، أو تنويع احتياطيات، أو فقدان ثقة.

بمعنى آخر:

إذا كان الذهب مجرد حماية من ارتفاع سعر الخبز والبنزين، فإن 4,200 دولار تبدو مرتفعة.

أما إذا كان تأمينًا ضد شيء أكبر من التضخم، فمؤشر الأسعار وحده يصبح ميزانًا ناقصًا.

الطريقة الرابعة: ماذا يحدث عندما نقيس الذهب بحجم المال نفسه؟

وهنا تصبح الأرقام أكثر إثارة.

حجم المعروض النقدي الأميركي الواسع، الذي يقيسه مؤشر إم 2، وصل في أغسطس إلى نحو 23.3 تريليون دولار.

في سبتمبر 2011، عندما كان الذهب قرب قمته التاريخية حول 1,920 دولارًا، كان المعروض النقدي يدور قرب 9.6 تريليون دولار.

يعني كمية الأموال في النظام تضاعفت بنحو 2.4 مرة.

لو أخذنا سعر الذهب في 2011 وضاعفناه بالنسبة نفسها التي توسعت بها السيولة، نحصل على سعر يقترب من:

4,650 إلى 4,700 دولار للأونصة.

فجأة، الذهب عند 4,200 دولار لا يبدو غاليًا.

بل يبدو أقل قليلًا من المستوى الذي يعطيه لنا هذا القياس.

وهون يظهر تناقض جميل جدًا.

التضخم يقول إن الذهب أعلى من قيمته التاريخية.

السيولة تقول إنه ليس كذلك.

والاثنان يستخدمان بيانات صحيحة.

إذًا أين الخدعة؟

في نقطة البداية.

لو أخذنا عام 2000 بدل 2011، تتغير النتيجة بالكامل. كان المعروض النقدي الأميركي وقتها نحو 4.7 تريليون دولار، وكان الذهب قرب 280 دولارًا.

المعروض النقدي تضاعف خمس مرات تقريبًا منذ ذلك الوقت.

ولو تضاعف الذهب معه فقط، يفترض أن يكون السعر اليوم في حدود 1,400 دولار تقريبًا.

لاحظ ماذا حدث.

نموذج واحد.

بيانات صحيحة.

لكن تغيير سنة الأساس أعطانا سعرًا عادلًا مرة قرب 1,400، ومرة قرب 4,700 دولار.

ولهذا دائمًا أحذر من الشخص الذي يعرض عليك معادلة ثم يخبرك أن الذهب «يجب» أن يكون عند رقم دقيق.

غالبًا يستطيع تغيير الرقم بتغيير التاريخ الذي بدأ منه الحساب.

والدين يعطي نتيجة أكثر استفزازًا

نستطيع فعل الشيء نفسه مع الدين الأميركي.

في نهاية عام 2011 كان إجمالي الدين الفيدرالي قرابة 14.8 تريليون دولار.

اليوم تجاوز الدين 40 تريليون دولار.

أي أنه ارتفع إلى نحو 2.7 مرة مستواه آنذاك.

إذا افترضنا ببساطة أن الذهب يجب أن يحافظ على العلاقة نفسها التي كانت موجودة عند قمة 2011، فإن سعر 1,920 دولارًا مضروبًا بهذه الزيادة يعطينا منطقة تقارب:

5,200 دولار للأونصة.

هل هذا يعني أن الذهب يجب أن يصل إلى 5,200؟

لا.

المعادلة لا تعمل بهذه البساطة.

لكنها تكشف شيئًا مهمًا جدًا.

عندما يقول أحدهم إن الذهب ارتفع كثيرًا لأنه انتقل من ألفي دولار إلى أكثر من أربعة آلاف، فهو ينظر إلى الذهب وحده.

بينما خلال الفترة نفسها تضخم حجم الدين، توسعت السيولة، تغيرت ميزانيات البنوك المركزية، وارتفع حجم الأصول المالية عالميًا.

السعر لا يعيش في فراغ.

الأصل قد يرتفع 100%، لكنه قد لا يكون تضاعف في قيمته الحقيقية إذا كانت كمية المال والديون من حوله تضاعفت أيضًا.

وهنا نصل إلى نتيجة الجزء الثاني.

إذا قسنا الذهب بالدولار بعد تصحيح التضخم فقط، فإن السعر الحالي مرتفع تاريخيًا.

إذا قسناه بالسيولة انطلاقًا من 2011، فإن السعر الحالي يبدو قريبًا من المنطق.

وإذا أدخلنا الدين في الحساب، تستطيع بعض المقارنات أن تعطي أسعارًا أعلى من السوق الحالي.

هذا لا يعني أن واحدة منها هي الحقيقة.

يعني أن السعر العادل للذهب ليس نقطة… بل نطاق يتغير بحسب الوظيفة التي تعتقد أن الذهب يؤديها.

هل هو مجرد حماية من التضخم؟

أم مخزن للقوة الشرائية؟

أم تأمين من الدين؟

أم أصل احتياطي؟

أم بديل جزئي عن النقد والسندات؟

كل إجابة تعطيك ذهبًا مختلفًا.

ولهذا لم ننتهِ بعد.

في الجزء القادم سنأخذ طريقة مختلفة تمامًا: سنقارن الذهب بما حوله، لا بالدولار فقط.

سنضعه أمام الفضة، النفط، الأسهم، وتكلفة إنتاجه، ثم ندخل إلى النماذج الإحصائية والدورية لنرى هل يمكن لكل هذه الطرق أن تلتقي في منطقة سعرية واحدة بدل عشرة أسعار عادلة مختلفة.

وعندها فقط سنحاول الإجابة عن السؤال الذي بدأنا منه:

إذا لم يكن 4,000 دولار هو السعر الحقيقي للذهب… فما هو؟

يتبع…

المستشار عمر جاسم آل صياح

#الذهب #السعر_العادل #التضخم #الدولار #السيولة #الدين_الأمريكي #الفيدرالي #السندات #الاستثمار #الأسواق