السعر الحقيقي للذهب – الجزء الرابع والأخير
بعد كل هذه الطرق… كم يساوي الذهب فعلًا؟
«الأهم قبل كل شيء هو العلاقة بين السعر والقيمة.»
— هوارد ماركس
على مدار ثلاثة أجزاء حاولنا الإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا جدًا:
ما هو السعر العادل للذهب؟
والمشكلة أننا كلما استخدمنا طريقة جديدة، حصلنا على رقم جديد.
الفائدة والدولار أعطيانا سعرًا.
العلاوة الهيكلية أعطتنا سعرًا مختلفًا.
التضخم أعطانا رقمًا ثالثًا.
السيولة والدين أخذا الذهب إلى مناطق أعلى.
ثم جاءت الدورات التاريخية لتقول إن السعر الذي نراه اليوم قد لا يكون حتى قمة الدورة، بل ربما يقع قريبًا من منطقة التوازن التي يعود إليها الذهب بعد انتهاء دورة كاملة من الصعود والتصحيح.
هنا نستطيع أن نفعل شيئًا لم نفعله في الأجزاء السابقة.
بدل أن نبحث عن الطريقة الصحيحة، سنفترض أن جميع الطرق تحمل جزءًا من الحقيقة، ثم نجمعها ونرى أين يقع مركز الثقل بينها.
والنتيجة، برأيي، أهم من أي رقم منفرد خرجنا به حتى الآن.
أولًا: ماذا قالت لنا كل طريقة؟
النموذج التقليدي الذي يربط الذهب بالعوائد الحقيقية والدولار كان الأكثر تشاؤمًا نسبيًا. إذا أخذنا السعر الحالي قرب 4,190 دولارًا، ثم نزعنا منه العلاوة الهيكلية التي تقدرها بعض النماذج بنحو 840 دولارًا، فإن المتغيرات التقليدية وحدها تبرر سعرًا قريبًا من 3,350 دولارًا.
ثم أضفنا العامل الذي تغير بعد 2019: مشتريات البنوك المركزية، تنويع الاحتياطيات، المخاطر الجيوسياسية وتقليل الاعتماد على الدولار. عند إضافة هذه العلاوة يعود السعر النظري إلى قرابة 4,190 دولارًا، أي قريب جدًا من السعر الذي تتداول عنده الأونصة حاليًا.
بعدها انتقلنا إلى القوة الشرائية.
تعديل قمة 1980 بالتضخم أعطانا نحو 3,650 دولارًا، بينما تعديل قمة 2011 أعطانا منطقة تقارب 2,825 دولارًا. ولأن الاثنين ينتميان إلى المدرسة نفسها، فمن غير المنطقي أن نعطي كل نقطة زمنية وزنًا مستقلًا؛ لذلك سنأخذ متوسطهما، أي قرابة 3,240 دولارًا كسعر تشير إليه طريقة القوة الشرائية التاريخية.
ثم فعلنا الشيء نفسه مع السيولة.
استخدام حجم المعروض النقدي مقارنة بعام 2011 أعطانا نحو 4,675 دولارًا، بينما نقطة البداية من عام 2000 أعطتنا رقمًا أقل بكثير، قرب 1,400 دولار. وهذه الفجوة كانت أصلًا الدليل على خطورة اختيار سنة الأساس. فإذا أخذنا متوسط النتيجتين، نحصل على قرابة 3,040 دولارًا.
بعدها جاءت طريقة الدين الأميركي.
الحفاظ على العلاقة التاريخية بين الذهب وحجم الدين، انطلاقًا من 2011، وضع السعر قرب 5,200 دولار.
وأخيرًا وصلنا إلى النموذج الدوري.
إذا بدأت دورة الذهب الحالية قرب 1800 دولار، وكررت تقريبًا سلوك التحولات الاقتصادية السابقة؛ أي صعود يقارب ستة أضعاف خلال دورة تمتد نحو سبع سنوات، ثم تصحيح قريب من 50%، فإن منطقة التوازن التي تبقى بعد انتهاء الدورة ( علماً أن الدورة لم تنتهي وإنما تنتهي في 2030) تقع تقريبًا حول 4,500–4,800 دولار. وسنأخذ منتصفها، أي نحو 4,650 دولارًا.
الآن أصبح لدينا ست مدارس مختلفة، لا ست نسخ من المعادلة نفسها:
نحو 3,350 دولارًا من الفائدة والدولار، 4,190 من العلاوة الهيكلية، 3,240 من القوة الشرائية، 3,040 من السيولة، 5,200 من الدين، و4,650 من الدورات التاريخية.
وهنا نستطيع أخيرًا أن نسأل:
ماذا يحدث إذا وضعنا الجميع في غرفة واحدة؟
المتوسط يقول شيئًا مثيرًا جدًا
إذا أعطينا كل مدرسة الوزن نفسه، يكون المتوسط الحسابي لهذه الأسعار قريبًا من:
3,944 دولارًا للأونصة.
لنقلها بصورة أبسط:
السعر المركب العادل للذهب، وفق الطرق التي درسناها، يدور حول 4,000 دولار.
وهذه النتيجة مثيرة لسببين.
الأول أن سعر الذهب الحالي قرب 4,190 دولارًا لا يبتعد عن هذا المتوسط إلا بنحو 6% تقريبًا.
يعني وفق هذا النموذج المركب، الذهب ليس رخيصًا جدًا.
لكنه أيضًا ليس في منطقة تستطيع معها أن تقول بسهولة إنه يعيش فقاعة منفصلة تمامًا عن أساساته.
والسبب الثاني، وهو الأهم، أن الرقم قريب من منطقة 3,800–4,000 دولار التي ظهرت معنا سابقًا في بعض النماذج الفنية والإحصائية باعتبارها منطقة تصحيح وتوازن مهمة في الدورة الحالية. الدراسة الدورية التي اعتمدنا عليها أصلًا كانت ترى أن التصحيحات الكبيرة داخل الاتجاه الهيكلي لا تلغي الدورة، بل تعيد السعر إلى منطقة يستطيع منها بناء المرحلة التالية.
أي أن الاقتصادي، النقدي، الدوري، وحتى الفني بدأوا — رغم اختلاف اللغة — يقتربون من المنطقة نفسها.
وهنا يصبح الرقم أكثر إثارة للاهتمام.
لكن 3,944 دولارًا ليس «الحقيقة»
وهذه أهم فقرة في السلسلة كلها.
لا أريد أن يخرج أحد من هذه المقالات ويقول:
عمر قال إن القيمة الحقيقية للذهب هي 3,944 دولارًا.
هذا سيكون عكس كل ما حاولنا شرحه.
الرقم ليس سعرًا مقدسًا.
هو مركز ثقل بين عدة طرق مختلفة.
لذلك الأفضل ألا نتعامل مع القيمة العادلة كنقطة، بل كنطاق.
وبرأيي، بناءً على كل ما سبق، يمكن النظر إلى منطقة 3,800–4,100 دولار تقريبًا باعتبارها نطاقًا قريبًا من القيمة المركبة الحالية للذهب.
أقل من هذه المنطقة، يبدأ الذهب بالظهور أرخص وفق عدد أكبر من النماذج.
داخلها، يصبح قريبًا من التوازن.
وفوقها يبدأ السوق بدفع علاوة أكبر مقابل الخوف، تنويع الاحتياطيات، توقعات السيولة والمخاطر المستقبلية.
لكن حتى هذا النطاق ليس ثابتًا.
إذا ارتفع الدين، اتسعت السيولة، استمرت البنوك المركزية بالشراء، أو تغيرت الفائدة، فإن السعر العادل نفسه يتحرك.
وهذا أهم فرق بين الذهب وبين رقم محفور على حجر.
قيمة الذهب ليست ثابتة لأن الشيء الذي نقيس الذهب به ليس ثابتًا أصلًا.
الدولار يتغير.
الفائدة تتغير.
الدين يتغير.
السيولة تتغير.
وحتى دور الذهب داخل احتياطيات البنوك المركزية يتغير.
إذًا… هل الذهب اليوم غالٍ؟
الإجابة الأكثر دقة:
هو أعلى قليلًا من متوسط القيمة الذي خرجنا به، لكنه ليس بعيدًا عنه.
وهذا فرق مهم.
لو كان الذهب اليوم عند 7,000 دولار بينما متوسط النماذج عند 4,000، لكان الحديث عن انفصال سعري أسهل بكثير.
أما أن يكون السعر قرب 4,200 والمتوسط المركب قرب 4,000، فهذا لا يخبرني أن هناك فقاعة ضخمة.
يخبرني أن السوق يدفع حاليًا علاوة صغيرة فوق القيمة المركبة.
وقد تكون هذه العلاوة مبررة إذا استمرت مشتريات البنوك المركزية والمخاطر والدين.
وقد تختفي إذا بقيت العوائد مرتفعة، قوي الدولار، وتراجعت شهية المستثمرين.
وهنا نعود إلى أول جملة بدأنا بها هذه السلسلة.
السعر شيء.
والقيمة شيء آخر.
لكن الذهب علّمنا شيئًا ثالثًا أيضًا:
القيمة نفسها ليست رقمًا واحدًا.
بعد أربع مقالات، وست مدارس تسعير، وعشرات الأرقام، أعتقد أننا أصبحنا أقرب إلى الإجابة:
السعر الحقيقي للذهب اليوم ليس 3,000 دولار.
وليس 5,000 بالضرورة.
وليس السعر الموجود على الشاشة لمجرد أن السوق قال ذلك.
وفق المتوسط المركب للطرق التي درسناها، مركز القيمة يدور قرب 4,000 دولار للأونصة، مع نطاق منطقي تقريبًا بين 3,800 و4,100 دولار.
أما ما فوق ذلك، فهو ثمن ما يعتقد السوق أنه سيحدث غدًا.
وما تحت ذلك، هو السعر الذي يبدأ عنده السوق بإعطائك الذهب بأقل مما تقوله مجموعة أكبر من النماذج.
لهذا انتهت السلسلة عند نتيجة لم أكن أريد الوصول إليها من نموذج واحد:
ربما لا يوجد «السعر الحقيقي» للذهب… لكن توجد منطقة تصبح عندها معظم الطرق أقل اختلافًا مع بعضها.
واليوم، هذه المنطقة تبدو قريبة جدًا من 4,000 دولار.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#الذهب #السعر_العادل #السعر_الحقيقي #الدولار #الفائدة #السندات #التضخم #السيولة #الدين #البنوك_المركزية #الاستثمار #الأسواق