الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

الخطر الأول في 2027 ليس الحرب… بل أن يتحول الاقتصاد نفسه إلى سلاح

«التجارة والتمويل والتكنولوجيا تُستخدم كأسلحة للنفوذ.»
— تقرير المخاطر العالمية 2026، المنتدى الاقتصادي العالمي
عندما يكون أكبر خطر يتوقعه العالم هو الحرب، تعرف تقريبًا ما الذي تخشاه.

دبابات، صواريخ، نفط، حدود، وجيوش.

لكن تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يقول شيئًا أكثر إثارة للاهتمام: الخطر الأول الذي قد يتسبب بأزمة عالمية مادية هذا العام ليس النزاع العسكري المباشر، بل المواجهة الجيو-اقتصادية.

اختارها 18% من المشاركين كأكبر خطر في 2026، مقابل 14% للنزاعات المسلحة بين الدول. والأكثر أهمية أن نصف المشاركين تقريبًا يتوقعون عالمًا «مضطربًا أو عاصفًا» خلال العامين المقبلين، وترتفع النسبة إلى 57% عند النظر إلى أفق عشر سنوات.

هذه الأرقام لا تعني أن العالم سيدخل أزمة حتمًا.

لكنها تقول شيئًا يتوافق تمامًا مع الفكرة التي بنيناها خلال الأشهر الماضية:

المشكلة لم تعد أن الدول قد تتحارب فقط… بل أن التجارة، العملات، التكنولوجيا، الطاقة والاحتياطيات نفسها أصبحت أدوات داخل الصراع.

وهذا، بالنسبة للذهب والفضة، أهم بكثير مما يبدو.

ما هي المواجهة الجيو-اقتصادية أصلًا؟

المواجهة الجيو-اقتصادية لا تحتاج إلى طلقة واحدة.

يمكن أن تكون عقوبات.

رسومًا جمركية.

حظر تصدير رقائق.

تجميد احتياطيات.

قيودًا على الاستثمار.

منع الوصول إلى نظام مالي.

سيطرة على المعادن الحرجة.

أو استخدام النفط والغاز والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد لتحقيق أهداف استراتيجية.

وهذا تقريبًا ما يراه المنتدى الاقتصادي العالمي وهو يتحدث عن انتقال العالم إلى «عصر المنافسة».

النظام الذي بُني لعقود على فكرة أن التجارة تقرب الدول من بعضها بدأ يتحول جزئيًا إلى نقيضه: كلما أصبحت الدول أكثر اعتمادًا على بعضها، أصبحت نقاط الاعتماد نفسها مصادر قوة يمكن استخدامها عند الخلاف.

اعتماد دولة على رقائق دولة أخرى يصبح مخاطرة.

اعتمادها على طاقة طرف آخر يصبح مخاطرة.

وحتى وضع احتياطياتها داخل النظام المالي لطرف آخر قد يصبح مخاطرة.

وهنا نعود مباشرة إلى الذهب.

لأن الذهب لا يحتاج إلى أن تنتصر دولة في الحرب حتى يستفيد.

يكفي أن تبدأ الدول بالتساؤل:

ما الأصل الذي أستطيع امتلاكه من دون أن يكون التزامًا على طرف آخر؟

لهذا تغيّر الذهب بعد 2022

عندما تحدثنا سابقًا عن أن الذهب لم يعد يتحرك كما كان قبل 2022، كانت هذه تقريبًا الفكرة الأساسية.

العوائد ارتفعت إلى مستويات كان يفترض تاريخيًا أن تضغط على الذهب بصورة أعنف، ومع ذلك بقي المعدن عند مستويات مرتفعة جدًا.

لماذا؟

لأن نموذج التسعير القديم لم يعد وحده في السوق.

بعد تجميد جزء من الاحتياطيات الروسية في 2022، ازدادت أهمية سؤال تنويع الاحتياطيات. ثم جاءت الحروب، العقوبات، الانقسام التجاري، التوتر الأميركي الصيني، والسياسات الصناعية الجديدة لتضيف طبقة كاملة من الطلب لا تعتمد فقط على قرار الفيدرالي القادم.

واليوم تقرير المخاطر العالمية يأتي ليعطي هذه الفكرة سياقًا أكبر.

إذا كان أكبر خطر يراه صناع القرار عالميًا هو المواجهة الجيو-اقتصادية، فمن الطبيعي أن تبدأ البنوك المركزية والدول بتقليل تعرضها لبعض مخاطر النظام نفسه.

وهذا يساعد على تفسير لماذا اشترت البنوك المركزية في السنوات الأربع الأخيرة قرابة ألف طن من الذهب سنويًا في المتوسط، أي نحو ضعف متوسط العقد السابق، ولماذا يتوقع 89% من مسؤولي الاحتياطيات زيادة حيازات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.

بمعنى أبسط:

الذهب لم يعد فقط تحوطًا من التضخم… أصبح أيضًا تحوطًا من انقسام العالم.

وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

لكن الفضة ستعيش القصة بطريقة أعنف

الفضة أكثر تعقيدًا.

لأن الذهب يستطيع أن يستفيد مباشرة من ارتفاع الخوف وعدم اليقين.

أما الفضة فلديها شخصيتان.

هي معدن نقدي يتحرك مع الذهب، وفي الوقت نفسه معدن صناعي يدخل في الطاقة الشمسية، السيارات، الإلكترونيات، الشبكات ومراكز البيانات.

وهذا يعني أن المواجهة الجيو-اقتصادية تستطيع أن تضرب الفضة من جهتين متعاكستين.

إذا ارتفع الخوف وازداد الطلب على المعادن الثمينة، تستفيد الفضة من الجانب النقدي.

لكن إذا تحولت المواجهة إلى رسوم تجارية، تباطؤ اقتصادي، تراجع تصنيع وانخفاض استثمار، يتعرض الجانب الصناعي للضغط أو قد يتعرض لطلب كبير مع سعر أكبر في ل دخولها بأهم الصناعات أي يصيغة أخرى قد يتحول لعنصر استراتيجي.

ولهذا رأينا تاريخيًا أن الذهب غالبًا يتفوق في المرحلة الأولى من الأزمات، بينما تحتاج الفضة إلى أن يأتي بعدها عامل آخر: سيولة أكبر، عودة النمو الصناعي أو موجة استثمارية قوية.

وهنا تصبح قصة عجز الفضة التي تحدثنا عنها سابقًا أكثر أهمية.

السوق متوقع أن يبقى في عجز للعام السادس على التوالي في 2026، بنحو 67 مليون أونصة، مع عجز تراكمي يقارب 762 مليون أونصة خلال ست سنوات.

يعني الفضة تدخل هذا العالم المضطرب وهي أصلًا لا تعيش سوق عرض مريح.

ولهذا إذا اجتمع لاحقًا الطلب الاستثماري مع استمرار العجز الصناعي، فقد تصبح حركة الفضة أعنف من الذهب.

لكن النقيض صحيح أيضًا.

إذا انفجرت مواجهة تجارية عالمية وتحولت إلى ركود صناعي حاد، قد نرى نسبة الذهب إلى الفضة ترتفع مؤقتًا لأن الذهب يحتفظ بدور الملاذ بصورة أنقى من الفضة.

الذهب يستفيد من الخوف مباشرة… الفضة تحتاج أن ينجو الاقتصاد أيضًا بدرجة ما.

وهذا يعيدنا إلى السعر العادل الذي حسبناه سابقًا

في سلسلة «السعر الحقيقي للذهب» وصلنا إلى أن السعر لا يمكن قياسه بالفائدة والدولار فقط، لأن هناك علاوة هيكلية جديدة مرتبطة بالاحتياطيات والدين والجغرافيا السياسية.

وتقرير المنتدى لا يثبت رقمًا معينًا للذهب.

لكنه يقوي منطق وجود هذه العلاوة.

لأننا إذا كنا ندخل عشر سنوات يرى فيها 57% من المشاركين بيئة عالمية مضطربة أو عاصفة، فمن الصعب أن نتعامل مع الطلب على الذهب وكأنه مجرد صفقة مرتبطة باجتماع للفيدرالي.

أما في الفضة، فقد وصلنا سابقًا إلى سيناريو سعري بنهاية 2027 يقوم على ثلاثة عناصر: استمرار جزء من العجز، ارتفاع الذهب، وعودة نسبة الذهب إلى الفضة نحو متوسطها التاريخي.

وهنا يضيف تقرير المخاطر عاملًا رابعًا:

عالم أكثر انقسامًا قد يدفع الطلب النقدي على المعدنين إلى أعلى، لكنه في الوقت نفسه يجعل الفضة أكثر حساسية لأي تباطؤ اقتصادي.

وهذا يعني أن الوصول إلى فضة قرب 90 دولارًا لا يعتمد على العجز وحده.

يحتاج إلى ذهب قوي، ونسبة ذهب إلى فضة أقرب إلى 55–60، وألا تتحول المواجهة الجيو-اقتصادية إلى ركود صناعي عميق طويل.

أما الذهب، فصورته أبسط نسبيًا.

كلما تحولت التجارة إلى سلاح، والاحتياطيات إلى ورقة ضغط، والتكنولوجيا إلى جبهة صراع، يصبح امتلاك أصل لا يصدره خصم ولا تستطيع شركة الإفلاس تحته أكثر جاذبية.

وهذا لا يعني أن الذهب سيصعد كل يوم.

ارتفاع العوائد والدولار يستطيع أن يضغط عليه، وربما بعنف.

لكن هذا هو بالضبط الفرق الذي كررناه سابقًا:

الفائدة تحدد كثيرًا من حركة الذهب اليوم… أما شكل العالم فيحدد لماذا يبقى مرتفعًا أصلًا.

لهذا أعتقد أن أهم رقم في تقرير المخاطر العالمية ليس 18% ولا 14%.

الأهم هو الفكرة خلفهما.

العالم بدأ يخشى أن تصبح العلاقات الاقتصادية نفسها جبهة حرب.

وعندما تبدأ الدول بالتعامل مع المال والتجارة والطاقة والاحتياطيات كأدوات استراتيجية، يصبح الذهب أكثر من مجرد معدن، وتصبح الفضة أكثر من مجرد مادة صناعية.

السؤال إذًا لم يعد:

هل ستحدث حرب جديدة؟

السؤال الأكبر أصبح:

ماذا يحدث لأسعار الأصول عندما يصبح الاقتصاد نفسه أحد أسلحة الحرب؟

وهون تحديدًا تصبح قصة الذهب والفضة التي تحدثنا عنها سابقًا أقل شبهًا بمضاربة على الأسعار…

وأقرب إلى إعادة تسعير لعالم مختلف.

المستشار عمر جاسم آل صياح

#الذهب #الفضة #المخاطر_العالمية #الجيوسياسة #الاقتصاد #الدولار #البنوك_المركزية #العجز #الاستثمار #الأسواق #Gold #Silver

توقعات في هذا المنشور