فرنسا على شفير الانهيار الاقتصادي؟ كواليس أزمة الديون وغضب الشارع
«فرنسا تمتلك أسسًا اقتصادية قوية: المواهب، اقتصادًا متنوعًا، قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي، ووصولًا موثوقًا إلى الطاقة.»
— ماتياس كورمان، الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
هذه الجملة مطمئنة...
لكن لو وضعت بجانبها أرقام المالية العامة الفرنسية، ستبدو الصورة أقل راحة بكثير.
الدين العام وصل في نهاية الربع الثاني من 2026 إلى نحو 3.6 تريليون يورو، أو 119% من الناتج المحلي الإجمالي.
العجز ما زال يدور فوق 5% من الناتج، والعوائد على السندات الفرنسية لعشر سنوات اقتربت من 5%، بينما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في واحدة من أعنف موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد منذ سنوات.
لذلك السؤال ليس: هل فرنسا دولة غنية؟
بالتأكيد هي كذلك.!
السؤال الأخطر هو:
هل يمكن لدولة غنية أن تصل إلى مرحلة يصبح فيها نموذجها الاقتصادي نفسه أصعب من أن يُموّل؟
وهنا تبدأ أزمة فرنسا الحقيقية...
المشكلة ليست حجم الدين… بل أن الفائدة بدأت تأكل الدولة فرنسا ليست اليونان، وليست على أبواب الإفلاس غدًا.
هذه نقطة يجب توضيحها منذ البداية حتى لا نحول أزمة حقيقية إلى عنوان كارثي فارغ.
سوق السندات الفرنسية من الأكبر في أوروبا، قاعدة المستثمرين واسعة، ومتوسط آجال الدين يمنع انتقال ارتفاع الفائدة بالكامل إلى الميزانية دفعة واحدة.
وحتى صندوق النقد يرى أن ارتفاع العوائد الحالي ما زال قابلًا للإدارة.
لكن كلمة «قابل للإدارة» لا تعني أن الاتجاه مريح.
تكلفة خدمة الدين بلغت نحو 66 مليار يورو في 2025، ومتوقع أن تقترب من 65 مليارًا في 2026 ثم تقفز إلى نحو 74 مليارًا في 2027، وإذا استمر المسار الحالي فقد تقترب من 100 مليار قبل نهاية العقد.
أي أن المشكلة لا تتعلق فقط بثلاثة تريليونات ونصف من الديون؛ المشكلة أن كل سند قديم منخفض الفائدة يستحق، ويعاد تمويله بسند جديد أعلى تكلفة.
ببساطة:
فرنسا تدخل تدريجيًا مرحلة يصبح فيها تمويل الماضي منافسًا لتمويل المستقبل.
كل مليار إضافي يذهب إلى الفائدة هو مليار لا يذهب إلى التعليم أو الصحة أو البنية التحتية أو الدفاع.
وهنا نفهم لماذا أصبح الشارع جزءًا من أزمة السندات.
دولة تنفق 57% من اقتصادها… ولا تستطيع بسهولة أن تنفق أقل
الإنفاق الحكومي الفرنسي بلغ نحو 57.2% من الناتج المحلي في 2025، أي أعلى بنحو 7 نقاط مئوية من متوسط منطقة اليورو.
جزء كبير من الفارق يأتي من التقاعد، الصحة والحماية الاجتماعية.
وهذه ليست أرقامًا في جدول فقط، هي العقد الاجتماعي الفرنسي نفسه، معاشات، مستشفيات، تعليم، دعم اجتماعي، وظائف حكومية.
ولذلك عندما تقول الأسواق إن فرنسا تحتاج إلى خفض العجز، يسمع المواطن الفرنسي شيئًا آخر:
من سيدفع الثمن؟
الحكومة تستطيع نظريًا رفع الضرائب، لكن فرنسا أصلًا من أكثر الاقتصادات الأوروبية اعتمادًا على الضرائب والاقتطاعات.
وتستطيع خفض الإنفاق، لكن كل بند كبير تقريبًا خلفه ملايين المستفيدين.
وتستطيع إصلاح التقاعد، لكن تجربة رفع سن التقاعد أظهرت مدى حساسية الملف سياسيًا واجتماعيًا.
لهذا ليست مشكلة فرنسا أنها لا تعرف ماذا يجب أن تفعل؛ المشكلة أن معظم الحلول الاقتصادية المنطقية مكلفة سياسيًا.
وهذا ما يفسر حالة الشلل التي صاحبت إعداد الموازنات، الانقسامات البرلمانية، تبدل الحكومات، وأخيرًا عودة الاحتجاجات إلى الشارع.
السوق يريد تقشفًا أسرع، الشارع يريد خدمات أكثر.
والدولة تقف في المنتصف ومعها فاتورة فوائد ترتفع عامًا بعد عام.
السم الاقتصادي الأعمق: فرنسا فقدت جزءًا من قدرتها على الإنتاج
الدين وحده لا يكون خطيرًا إذا كان الاقتصاد الذي يحمله ينمو بسرعة.
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا...
الصناعة التحويلية الفرنسية لا تمثل اليوم سوى نحو 11% من القيمة المضافة، بانخفاض يقارب الثلث مقارنة ببداية الألفية.
أي أن فرنسا ما زالت تملك شركات عالمية في الطيران، الطاقة، الدفاع، السلع الفاخرة، الأدوية والخدمات، لكنها فقدت جزءًا مهمًا من قاعدتها الصناعية الواسعة.
والنتيجة تظهر في التجارة...
بلغ عجز تجارة السلع نحو 69 مليار يورو في 2025، وبعد تحسن نسبي ما زال العجز المتراكم خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في أغسطس 2026 قرب 63 مليار يورو.
هذه الأرقام أفضل بكثير من كارثة 2022، عندما انفجر عجز الطاقة، لكنها ما زالت تقول إن الاقتصاد الفرنسي يشتري من الخارج سلعًا أكثر مما يبيع.
والاقتصاد الذي يريد تمويل دولة رفاهية ضخمة يحتاج في النهاية إلى إنتاجية وصادرات واستثمارات تستطيع توليد الدخل الذي يمول تلك الدولة.
لا يمكن للضرائب وحدها أن تحل المشكلة إلى الأبد.
التقاعد أصبح معركة بين الأجيال؛ المشكلة الديموغرافية ربما تكون أصعب أجزاء القصة.
فرنسا تنفق نسبة مرتفعة من ناتجها على التقاعد، بينما يزداد عدد المتقاعدين نسبة إلى العاملين.
وفي بعض أنظمة موظفي الدولة أصبح عدد المساهمين الفعليين أقل من متقاعد واحد تقريبًا لكل مساهم.
وهذا يخلق سؤالًا سياسيًا حساسًا:
هل تحافظ الدولة على مستوى المزايا نفسه؟
إذا كان الجواب نعم، فمن سيمولها؟
العامل؟!
الشركة؟!
الضرائب؟!
أم الدين؟!
المشكلة أن كل طريق يعيدنا إلى المكان نفسه...
الدين الفرنسي ليس مجرد مشكلة مالية… بل أصبح طريقة لتأجيل خلاف اجتماعي حول توزيع الثروة بين الأجيال.
ولهذا تتكرر معركة التقاعد كلما حاولت الحكومة إصلاح المالية العامة.
وماذا عن خسارة فرنسا لإفريقيا؟
هناك جزء صحيح في هذه القصة، وجزء جرى تضخيمه كثيرًا.
فرنسا فقدت بالفعل جزءًا كبيرًا من نفوذها السياسي والعسكري في منطقة الساحل، خصوصًا في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وخسرت شركة «أورانو» الفرنسية السيطرة على أصول مهمة لليورانيوم في النيجر.
هذا تحول جيوسياسي حقيقي...
لكن القول إن فرنسا تخسر 7 إلى 10 مليارات يورو سنويًا مباشرة من الموازنة بسبب إفريقيا لا توجد له، وفق المصادر الموثوقة التي راجعتها، قاعدة حسابية قوية يمكن الاعتماد عليها.
بل إن أوروبا نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنويع مصادر اليورانيوم بصورة كبيرة؛ حصة النيجر من اليورانيوم المسلم للمرافق الأوروبية هبطت في 2025 إلى نحو 0.2% فقط.
إذًا خسارة النفوذ الأفريقي مهمة استراتيجيًا، لكنها ليست السبب الذي صنع الدين الفرنسي.
المشكلة الأساسية صُنعت في باريس، لا في نيامي.
عقود من العجز، إنفاق مرتفع، نمو متواضع، شيخوخة سكانية، تراجع صناعي، ثم عودة الفائدة المرتفعة.
هل فرنسا على شفير الانهيار؟
لا أعتقد أن كلمة «الإفلاس» تصف المرحلة الحالية بدقة.
لكن هناك شيء ربما يكون أخطر على المدى الطويل:
فرنسا دخلت مرحلة يختبر فيها السوق قدرتها السياسية على الإصلاح، وليس قدرتها الاقتصادية فقط على الدفع.
عائد السندات الفرنسية لعشر سنوات اقترب من 4.9%، وهو الأعلى منذ أكثر من عقدين، والفارق مع السند الألماني اتسع بقوة.
هذا يعني أن السوق بدأ يطلب ثمنًا أكبر حتى يقرض باريس.
وإذا بقيت العوائد مرتفعة سنوات، تصبح المعادلة مؤذية جدًا:
دين أكبر - فوائد أكبر - عجز أكبر - إصدار سندات أكثر - عائد مطلوب أعلى.
هذه هي كرة الثلج التي يخشاها الاقتصاديون.
لكن فرنسا ما زالت تستطيع كسرها إذا نجحت في الجمع بين نمو أعلى، إصلاح تدريجي للإنفاق والتقاعد، واستعادة جزء أكبر من قدرتها الصناعية.
وهذا تحديدًا هو الاختبار؛ لأن فرنسا لا تحتاج إلى تدمير دولة الرفاهية حتى تنقذ نفسها.
لكنها تحتاج على الأرجح إلى الاعتراف بأن دولة الرفاهية لا تستطيع الاستمرار بالحجم نفسه إذا كان الاقتصاد الذي يمولها ينمو أبطأ من تكلفتها.
وهنا تصبح الاحتجاجات الحالية أكبر من خلاف حول ميزانية سنة واحدة.
إنها صراع حول سؤال ستواجهه دول أوروبية كثيرة خلال السنوات المقبلة:
من يدفع فاتورة دولة بُنيت في زمن النمو الرخيص والفائدة المنخفضة… عندما يصبح النمو ضعيفًا والمال غاليًا؟
فرنسا ليست مفلسة...
لكن الأسواق بدأت تسأل السؤال الذي يسبق الأزمات المالية عادة:
هل يستطيع النظام السياسي اتخاذ القرار قبل أن يفرضه سوق السندات؟
المستشار عمر جاسم آل صياح
#فرنسا #اليورو #السندات #الاقتصاد #أوروبا #الأسواق #الفائدة #الديون