إيران لا تهدد النفط هذه المرة… بل الإنترنت نفسه
«هناك سبعة كابلات ألياف ضوئية كبيرة تحت الخليج ومضيق هرمز.»
— حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني
لعقود، كلما ذُكر مضيق هرمز كان السؤال واحدًا:
ماذا يحدث إذا توقف النفط؟
اليوم ظهر سؤال أخطر بالنسبة للاقتصاد الحديث:
ماذا يحدث إذا استمر النفط بالتدفق… لكن البيانات توقفت؟
إيران رفعت مستوى تهديداتها أخيرًا من السفن والمنشآت النفطية إلى البنية التحتية الرقمية. مسؤولون إيرانيون تحدثوا صراحة عن الكابلات البحرية، مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي باعتبارها أهدافًا محتملة إذا تجددت المواجهة العسكرية.
وفي 19 أكتوبر، قال متحدث باسم الحرس الثوري إن سبعة كابلات رئيسية للألياف الضوئية تمر تحت الخليج ومضيق هرمز، متحدثًا بالتزامن عن «أهداف جديدة» يمكن الكشف عنها.
لكن هنا يجب أن ندقق في الرقم قبل أن نبني عليه قصة كاملة.
شركة «تيلي جيوغرافي» المتخصصة بخرائط الكابلات البحرية ترصد ثلاثة أنظمة كابلات نشطة تعبر مضيق هرمز نفسه مباشرة: آسيا أفريقيا أوروبا-1، فالكون، ونظام جلف بريدج إنترناشيونال. أما الخليج الأوسع فيحتوي أنظمة ومسارات واتصالات بحرية أكثر.
إذًا الرقم «سبعة» هو الرقم الذي أعلنته إيران، وليس بالضرورة توصيفًا هندسيًا مستقلاً لعدد الأنظمة العابرة للمضيق.
لكن المفارقة أن اختلاف الرقم لا يغير خطورة الفكرة.
لأن تحت هذه المياه لا يمر النفط فقط.
يمر جزء من الجهاز العصبي للاقتصاد الخليجي.
هاتفك لاسلكي… لكن الإنترنت تحته سلك
هذه من أكثر الحقائق التي ننسى أنها موجودة.
نحن نعيش في عصر «السحابة»، والاتصالات اللاسلكية، والأقمار الصناعية، لكن الاقتصاد الرقمي العالمي ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على شيء مادي جدًا:
أسلاك زجاجية رفيعة في قاع البحر.
أكثر من 99% من حركة البيانات بين القارات تنتقل عبر الكابلات البحرية، وليس عبر الأقمار الصناعية.
مكالمة دولية.
تحويل مصرفي.
بيانات سوق مالي.
حركة منصة سحابية.
اتصال مركز بيانات بآخر.
رسالة هاتف قد تبدأ لاسلكيًا من جهازك، لكنها بعد برج الاتصالات تدخل غالبًا في شبكة ألياف أرضية وبحرية.
ولهذا فإن استهداف الكابلات لا يعني فقط أن تطبيقًا سيتأخر في تحميل صورة.
المشكلة الحقيقية هي القدرة الاستيعابية.
إذا خرج كابل واحد من الخدمة، تستطيع الشبكات عادة تحويل البيانات إلى مسارات بديلة.
لكن إذا تعطلت عدة أنظمة في المنطقة نفسها خلال فترة قصيرة، تبدأ حركة البيانات بالتكدس على المسارات الباقية.
ترتفع أوقات الاستجابة.
تتباطأ الخدمات السحابية.
قد تتأثر الاتصالات الدولية.
وتصبح بعض عمليات البنوك والمدفوعات والشركات أكثر عرضة للتأخير أو الانقطاع الجزئي.
لا يعني ذلك أن بنوك الخليج ستتوقف تلقائيًا، كما توحي بعض العناوين المنتشرة.
لكنه يعني أن البنية الرقمية التي تقوم عليها البنوك نفسها تصبح تحت الضغط.
وهذا فرق مهم.
الخليج لديه بدائل… لكنها ليست بلا حدود
الدول الخليجية لم تبنِ اقتصادها الرقمي على كابل واحد.
قطر والبحرين والكويت لديها روابط برية مع السعودية، والكويت لديها اتصال إضافي عبر العراق. الإمارات لديها ميزة مهمة تتمثل في وجود عدد كبير من الكابلات الدولية التي تصل إلى الفجيرة على خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز نفسه.
أما السعودية، فإن معظم قدرتها الدولية أصلًا تأتي من الكابلات التي تصل إلى ساحل البحر الأحمر.
وهذا يعطي المنطقة درجة من المرونة.
لكن البديل لا يعني أن الخطر اختفى.
شبكات البر ليست بالضرورة قادرة على استيعاب كامل حركة الكابلات البحرية إذا تعطلت عدة أنظمة معًا. كما أن إصلاح كابل بحري أثناء حرب ليس شبيهًا بإصلاح خط إنترنت أمام المنزل.
سفينة متخصصة يجب أن تصل إلى مكان العطل، تحصل على التصاريح، تحدد موقع القطع، ترفع الكابل من قاع البحر وتصلحه، وكل ذلك بينما قد تكون المنطقة نفسها مسرح عمليات عسكرية.
ولهذا فإن أهم سلاح هنا قد لا يكون التدمير الكامل.
يكفي رفع تكلفة الاتصال وعدم اليقين حوله.
وهذا يعيدنا إلى ما كتبناه سابقًا حول المواجهة الجيو-اقتصادية.
عندما يصبح النفط وسيلة ضغط، والسندات والعقوبات وسيلة ضغط، والرقائق وسيلة ضغط، فمن الطبيعي أن تنتقل المنافسة في النهاية إلى الشيء الذي يحمل البيانات نفسها.
الاقتصاد أصبح ساحة حرب قبل أن تتحرك الجيوش.
والخطر الحقيقي يمتد إلى الذكاء الاصطناعي
هنا تمامًا ترتبط القصة بالدراسات التي كتبناها عن طفرة الذكاء الاصطناعي.
مراكز البيانات الضخمة التي تُبنى في الخليج لا تحتاج إلى كهرباء ورقائق فقط.
تحتاج إلى اتصال هائل وسريع ومستقر بالعالم.
الذكاء الاصطناعي الحديث يقوم على نقل كميات ضخمة من البيانات بين مراكز البيانات، المستخدمين، مزودي الخدمات السحابية والشبكات الدولية.
ولهذا لم يذكر المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي الكابلات وحدها، بل وضع معها مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي، وقال إن هذه الأصول يمكن أن تصبح أهدافًا إذا عادت الحرب.
هو نفسه قدّر قيمة الأصول الأميركية المرتبطة بهذه البنية التحتية في المنطقة بأكثر من تريليوني دولار، وهو رقم إيراني لم يُرفق بتفصيل مستقل يمكن التحقق منه، لذلك لا أتعامل معه كقيمة مؤكدة.
لكن الفكرة أهم من الرقم.
في مقالاتنا السابقة قلنا إن أكبر مشكلة قد تواجه طفرة الذكاء الاصطناعي هي التمويل.
اليوم يظهر أمامها خطر آخر:
الجغرافيا.
مركز بيانات بمليارات الدولارات لا يساوي الكثير إذا أصبحت الكهرباء غير مستقرة أو الاتصال العالمي معرضًا للانقطاع أو التأمين أعلى تكلفة.
وهنا تصبح حرب الكابلات عاملًا جديدًا في معادلة الاستثمار:
أين أبني مركز البيانات؟
ما عدد مسارات الاتصال المستقلة التي يمتلكها؟
هل يعتمد على نقطة اختناق جغرافية واحدة؟
وكم تكلف حمايته؟
وهذه الأسئلة لم تكن في مقدمة حسابات المستثمر قبل سنوات.
اليوم أصبحت جزءًا من قيمة الأصل نفسه.
هرمز لم يعد مضيقًا للنفط فقط
وهذا ربما أهم تغير في القصة.
لسنوات كنا نقيس أهمية هرمز بعدد براميل النفط التي تعبره يوميًا.
لكن الاقتصاد العالمي تغير.
لدينا الآن أصول لا تُنقل في ناقلات ولا تظهر في صور الأقمار الصناعية:
البيانات.
والبيانات أصبحت مالًا.
البنك هو بيانات.
البورصة بيانات.
الحوسبة السحابية بيانات.
الذكاء الاصطناعي بيانات.
وحتى النفط نفسه اليوم يعتمد في تسعيره وتداوله وشحنه وتأمينه على بنية رقمية عالمية.
لذلك تهديد الكابلات يضيف طبقة جديدة تمامًا إلى المخاطر التي تحدثنا عنها في تقرير المخاطر العالمية:
المواجهة الجيو-اقتصادية لم تعد تعني منع دولة من بيع سلعة فقط… بل قد تعني منعها من نقل البيانات التي تجعل اقتصادها يعمل.
هل تستطيع المنطقة تجاوز قطع كابل واحد؟
بالتأكيد.
هل يعني قطع عدة كابلات أن الإنترنت سيختفي بالكامل عن الخليج؟
لا.
لكن السؤال الحقيقي ليس الانقطاع الكامل.
السؤال هو كم يكلف اقتصادًا حديثًا أن يعمل عندما تصبح أهم طرق اتصاله أبطأ، أقل استقرارًا، أعلى تكلفة، وتحت تهديد عسكري مستمر؟
لذلك ربما كنا نطرح السؤال الخطأ طوال السنوات الماضية:
ماذا يحدث لو أغلقت إيران مضيق هرمز أمام النفط؟
السؤال الجديد أصبح:
ماذا لو بقيت الناقلات تتحرك… لكن الشيء الذي يربط البنوك والأسواق والهواتف ومراكز البيانات بالعالم بدأ ينقطع تحتها؟
في الاقتصاد القديم كان من يسيطر على النفط يملك ورقة ضغط.
أما في الاقتصاد الجديد، فقد يكون من يهدد مسار البيانات قادرًا على خلق أزمة من نوع مختلف تمامًا.
ليس النفط هذه المرة.
إنها البيانات.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#إيران #مضيق_هرمز #الإنترنت #الكابلات_البحرية #الذكاء_الاصطناعي #مراكز_البيانات #الخليج #الأمن_السيبراني #الاقتصاد #الأسواق