الذهب يتراجع رغم الحروب… فهل أصبحت الفائدة أقوى من المخاطر الجيوسياسية؟
في الظروف الطبيعية، من المفترض أن تدعم الحروب والتوترات الجيوسياسية أسعار الذهب، باعتباره أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من المخاطر.
لكن ما حدث في الأسواق خلال الأسبوع المنتهي في 30 أكتوبر كان مختلفاً.
فقد تراجع الذهب إلى نحو 3,899 دولاراً للأونصة في تسوية العقود الآجلة الأميركية يوم الجمعة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نحو عام، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط.
المشكلة ليست في تراجع الطلب على الملاذات الآمنة فقط، وإنما في اجتماع ثلاثة عوامل تضغط على الذهب في الوقت نفسه.
أولاً، البيانات الاقتصادية الأميركية، وخصوصاً التضخم، عززت احتمالات عودة الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما يدعم عوائد السندات ويزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب.
ثانياً، ارتفاع النفط نتيجة التوترات في الشرق الأوسط أعاد مخاوف التضخم، مما يزيد صعوبة انتقال الفيدرالي نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
ثالثاً، موجة البيع في أسواق الأسهم، وخصوصاً أسهم التكنولوجيا، دفعت بعض المستثمرين إلى بيع أصول أخرى لتوفير السيولة أو تغطية التزاماتهم، وهو ما قد يفسر جزءاً من تراجع الذهب رغم المخاطر الجيوسياسية.
وهنا تظهر مفارقة اقتصادية مهمة: العامل الذي يفترض أن يدعم الذهب على المدى الطويل، وهو التضخم، أصبح يضغط عليه على المدى القصير من خلال توقعات ارتفاع الفائدة.
لكن برأيي، لا يمكن قراءة هذه العوامل بمعزل عن بعضها.
فاستمرار ارتفاع النفط قد يؤدي إلى تضخم أكثر عناداً، وهذا قد يجبر الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها مجدداً، لكن التشديد النقدي في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على الاستهلاك والائتمان والنمو الاقتصادي.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
ما يضغط على الذهب اليوم قد يتحول إلى عامل داعم له لاحقاً، إذا أدى استمرار التشديد النقدي إلى تباطؤ اقتصادي يدفع الأسواق نحو توقع خفض الفائدة، أو يعيد الطلب على التحوط من المخاطر المالية.
الخلاصة:
لا أرى أن تراجع الذهب وحده دليل كافٍ على انتهاء الاتجاه الصاعد طويل المدى، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل الضغوط النقدية والسيولة التي يتعرض لها حالياً.
السوق اليوم لا يسعّر المخاطر الجيوسياسية وحدها، وإنما يسعّر نتائجها على التضخم والفائدة والنمو والسيولة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم لم يعد: لماذا لا يرتفع الذهب رغم الحروب؟
وإنما: إلى متى يستطيع الاقتصاد الأميركي تحمّل فائدة مرتفعة ونفط مرتفع في الوقت نفسه، قبل أن تتحول الضغوط التضخمية إلى مشكلة في النمو الاقتصادي نفسه؟
المستشار عمر آلصياح
#الذهب #الفيدرالي #الفائدة #السندات #النفط #الذكاء_الاصطناعي #Gold #XAUUSD #Fed #TreasuryYields #Oil #AIStocks