الأرشيف

كل ما كتبه المستشار عن الأسواق

منشوراته ومقالاته وتوقعاته منذ 2022.

7,671 منشورًا على X
459 مقالًا على Investing
1,234 توقعًا
2022 منذ
كل المنشورات

لماذا لم يرتفع الذهب رغم الحرب؟

«عصب الحرب هو وفرة المال.»—
شيشرون، الخطبة الفيلبية الخامسة

مع بداية المناوشات الإيرانية - الأمريكية ، والتخوف من توسع الحرب ، ظن الغالبية أن الذهب سيرتفع ، ارتفاع كبير، خصوصاً مع وصول آخر نتائج النزاع إلى التهديد النووي ، لكن ما حدث العكس تماماً ، وهو انخفاض الذهب ، انخفاضاً كبيراً ، مع العلم أنه من المفروض أن يكون العكس تماماً ، لماذا ؟ ! ، لأنه الملاذ الآمن.
طبعاً لاشك إن الذهب ملاذ آمن لأموالك ، لكن عدم إدارك دورة الحرب يجعلك تدخل إلى الذهب في أسوأ فترة يمكن أن تدخل إليها ، وتسيء فكرة أن الذهب ملاذ آمن ، خصوصاً أن التاريخ أخبرنا أن الذهب لم يترفع في بداية الحرب أو في ظل الحرب أبداً ، ومع أي حرب ، وإنما بعد انتهاء الحرب.

الفجوة بين بداية الحرب ونهايتها

قد تنتهي الحرب ، ويعم السلام ، لكن الديون تبقى، والبنية التي دُمّرت تحتاج إلى إعادة بناء، والشركات التي استنزفت احتياطياتها في ظل الحرب تحتاج إلى تمويل. ولهذا قد يبدأ السلام على الأرض، بينما تستمر فاتورة الحرب في الانتقال بين الحكومات والمصارف والأفراد بعد انتهاء الحرب بمدة.

هذه المسافة بين الحدث وفاتورته تساعدنا على فهم الذهب. فقد يدفع الخوف الناس إلى شرائه عند التصعيد، ثم تدفعهم الحاجة إلى السيولة ( في ظل استمرار الحرب )لبيعه مع امتداد الأزمة، قبل أن تعيد تبعات الحرب الاقتصادية والنقدية تعزيز الطلب عليه لاحقًا.

وهنا أرى أن السؤال يستحق إعادة النظر: ما الذي ننتظره من الذهب تحديدًا؟ هل ننتظر منه أن يرتفع كلما اتسعت المواجهة، أم أن يحمي جزءًا من الثروة من الاختلالات التي قد تتركها وراءها؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين متابعة خبر الحرب وفهم اقتصاد الحرب.

ومع إيران، وصل التصعيد إلى مناقشة تغيير العقيدة النووية. ففي 31 تشرين الأول / 10 / 2026، قال المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي إن طهران تناقش إمكان رفع الحظر على السلاح النووي إذا استؤنف القتال، مؤكدًا أن قرارًا بهذا الشأن لم يُتخذ. وهذا تلويح بمراجعة السياسة النووية، يختلف عن إعلان امتلاك سلاح نووي أو تهديد رسمي باستخدامه ، أو أن أحد الصحفيين الأمريكين يخبر علناً أن أمريكا مستعدة لضرب بالنووي.

مثل هذه التصريحات قد تزيد الخوف من اتساع المواجهة، وقد تدعم شراء الذهب. لكن انتقال المخاوف إلى السعر يتأثر أيضًا بما يحدث للطاقة والتضخم والفائدة والسيولة. فالأسواق تحاول تقدير ما ستفعله الحرب بالاقتصاد، إلى جانب تقدير احتمال توسعها.

ولهذا وصف الذهب بالملاذ الآمن باعتباره دورًا في التحوط من مخاطر مالية ونقدية مباشرة مع الإعلان ، وصف خاطئ ، لأنك هنا تماما لم تدرك ما التي ستعنيه الحرب على الأفراد.

قد تزداد حاجة الناس إلى الحماية، بينما تقل قدرتهم على الاحتفاظ بما اشتروه للحماية.

تخيل صاحب مشروع يحتفظ بجزء من مدخراته في الذهب. تتسع الحرب، فتتباطأ مبيعاته، وترتفع كلفة بضاعته، وتبقى الرواتب والديون مستحقة. عندها قد يبيع بعض الذهب لتغطية التزاماته، حتى لو بقي مقتنعًا بأنه أصل مناسب للادخار.

والأمر قد يمتد إلى الأسر المتضررة التي تحتاج إلى تمويل المعيشة أو الانتقال، وإلى المستثمرين الذين يواجهون خسائر في أصول أخرى. أما المستثمر الذي يستخدم الاقتراض، فقد يضطر إلى البيع لتوفير ضمانات إضافية، فلا تعود لديه حرية الانتظار حتى تتحسن الأسعار.

هذه أمثلة على آلية محتملة، وليست دليلًا على أن الجميع يبيعون. لكنها تشرح لماذا يمكن أن يتراجع الذهب أثناء تفاقم الحرب: وهي الحاجة العاجلة إلى النقد قد تتغلب على الرغبة في الادخار.

ويمكنك أن توسع الأمر من الأفراد إلى المؤسسات و الحكومات التي تلجأ إلى بيع الذهب لتغطية نفقات الحرب

وقد رصد البنك المركزي الأوروبي خلال 2026 أن الذهب ارتفع لفترة قصيرة بعد اندلاع حرب الشرق الأوسط، ثم تراجع، مشيرًا إلى أثر العوائد الحقيقية وتقليص المراكز الاستثمارية في تقلباته. وهذه ملاحظة مهمة؛ فالحماية التي يقدمها الأصل داخل المحفظة لا تعفيه من ضغوط البيع في السوق خصوصاً في ظل الحاجة لسيولة.

وتوضح بيانات أيلول / 09 / 2026 كيف تتعارض قرارات المستثمرين. فقد هبط الذهب 8.5% خلال الشهر، رغم إضافة صناديق الذهب المتداولة نحو 67 طنًا إلى حيازاتها، بينما تقلصت صافي مراكز مديري الأموال في عقود كومكس بما يعادل نحو 84 طنًا، بالتزامن مع قوة الدولار وارتفاع العوائد.

هذه قنوات مختلفة لا يصح جمعها أو طرحها لتفسير السعر بالكامل. لكنها تكشف أن وجود مشترين على المدى الطويل قد يتزامن مع ضغوط قوية من مستثمرين يقلصون مراكزهم.

ثم تأتي كلفة الطاقة لتضيف ضغطًا آخر. فإذا هددت الحرب إمدادات النفط والشحن، فقد ترتفع تكاليف الإنتاج والنقل، وتتجدد المخاوف من التضخم. وهذا قد يدفع الأسواق إلى توقع بقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول، أو تشديد السياسة النقدية مجددًا ، ومنه المزيد من الضغط على الشركات المقترضة فتطر إلى بيع الذهب أو لجوء ملاكها للمدخرات التي قد تكون بنسبة كبيرة ذهباً ، بهدف سد احتياجاتها.

عندها يواجه الذهب، الذي لا يدفع فائدة، منافسة أكبر من الأصول المدرة للعائد، وقد يتلقى الدولار دعمًا إضافيًا. والأهم هنا هو العائد الحقيقي، أي العائد بعد احتساب التضخم المتوقع؛ فارتفاع العائد الاسمي وحده لا يكفي للحكم على حجم الضغط.

هكذا يمكن للحرب أن تدعم الذهب بالخوف، وتضغط عليه بالحاجة إلى السيولة وبالسياسة النقدية في الوقت نفسه. وقد يطغى أحد هذه العوامل على الآخر بحسب المرحلة وظروف المستثمرين ، والتاريخ منذ عقود يخبرنا إلى الآن ان الحاجة إلى السيولة تضغط على الذهب أكثر من كونها تدفعه مهما علمنا أن نتائج الحرب بعدها ستكون كارثية.

لكن ما الذي يتغير عندما تنتهي الحرب وتبدأ مرحلة دفع الفاتورة؟

تتراجع الحاجة إلى تمويل القتال،ويبدأ الطلب على تحريك الاقتصاد الذي انهك من الحرب ، وهنا تماماً لا بد أن تعجل الحكومات على خفض سريع لاسعار الفائدة ، وضخ أكبر قدر ممكن من الأموال في الأسواق

وبحالة الحرب الإيرانية.

قد يتزامن ذلك مع انخفاض أسعار الطاقة وانحسار التضخم، فقد تتسع مساحة خفض الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي. وإذا انخفضت العوائد الحقيقية وضعف الدولار وهدأت ضغوط السيولة، فقد يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل كلفة، ويجد الطلب عليه مجالًا أكبر للظهور في السعر.

وهذا هو المسار الذي أراه مهمًا: قد يضغط تمويل الحرب على الذهب أثناءها، ثم تدعمه السياسات والاختلالات التي تظهر عند معالجة آثارها.

وإذا وجدنا أن فاتورة الحرب امتد أثرها ليطال ثقة في قدرة النظام المالي على تجاوز الأمر سنصل لمرحلة أسوأ وهي عدم القدرة على أن الدولار سيحافظ على قيمته ، وبالتالي نلوذ بالفرار كلنا ( دول ، مؤسسات ، مستثمرين) نحو الذهب ونهرب من الدولار.

فب الختام عزيزي القارئ، لا أرى أن تراجع الذهب الحالي أثناء الحرب يكفي لإعلان انتهاء دوره. لكنه يذكرنا بأن الاحتفاظ بأصل للحماية يتطلب فهم الخطر الذي نتحوط منه، والأفق الذي نستثمر خلاله، وقدرتنا على تحمّل تقلبه.

وكما تحتاج الحرب إلى المال، يحتاج المستثمر إلى سيولة تمنحه حرية القرار. فمن يضطر إلى بيع مدخراته في أصعب اللحظات قد لا يستفيد من التعافي الذي كان ينتظره.

وهذه هي المفارقة: قد يُباع الذهب لتمويل النجاة من الحرب، ثم يُشترى للتحوط من الآثار الاقتصادية التي تركتها.

المستشار عمر الصياح

#الذهب #الدولار #الفيدرالي #السندات #الذكاء_الاصطناعي #Gold #XAUUSD #USD #Fed #TreasuryYields #AIStocks #USMidterms