الحرب لم تنتهِ… لكن أخطر مرحلتها قد تبدأ بعد الانتخابات
«على البشرية أن تضع حدًا للحرب… قبل أن تضع الحرب حدًا للبشرية.»
— جون كينيدي
هناك لحظات في السياسة تصبح فيها كلفة التراجع قريبة من كلفة التصعيد.
وهذه تحديدًا من أخطر اللحظات؛ لأن القرار عندها لا يعود بين الحرب والسلام فقط، بل بين خسارتين مختلفتين.
الولايات المتحدة خرجت لتوها من انتخابات التجديد النصفي بنتيجة قاسية على الجمهوريين، وإسرائيل خرجت من انتخابات لم تمنح بنيامين نتنياهو طريقًا واضحًا للبقاء في السلطة.
وفي الخلفية توجد حرب إيران التي لم تنتهِ أصلًا.
لذلك السؤال لم يعد: هل تبدأ الحرب؟
بل:
هل تدخل الحرب الموجودة أصلًا مرحلة أكثر عنفًا لأن من يديرها أصبح أضعف سياسيًا؟
ترامب خسر الكونغرس… لكنه لم يخسر أدوات الحرب
الديمقراطيون سيطروا على مجلسي النواب والشيوخ، بينما هبطت شعبية ترامب قبيل الانتخابات إلى مستويات قريبة من أدنى معدلاتها السياسية.
لكن هناك تفصيل مهم.
الكونغرس الجديد لن يتسلم صلاحياته قبل 3 يناير.
أي أن هناك قرابة شهرين تبقى فيهما الأغلبية الجمهورية القديمة موجودة، بينما يحاول البيت الأبيض استيعاب صدمة انتخابية كبيرة.
حتى بعد يناير، لا يعني انتقال الكونغرس إلى الديمقراطيين أن الرئيس يفقد فجأة قدرته على إدارة السياسة الخارجية أو تنفيذ عمليات عسكرية.
وهنا تظهر المفارقة.
ترامب أصبح أضعف سياسيًا… لكن أدواته التنفيذية لم تضعف بالسرعة نفسها.
وهذا لا يعني أنه سيستخدم الحرب للهروب من أزمته الداخلية.
لكن التاريخ السياسي يعرف ظاهرة واضحة: الأزمات الخارجية تستطيع أحيانًا إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، ورفع الالتفاف حول القيادة مؤقتًا.
المشكلة أن إيران ليست خصمًا يسمح بتجربة هذه النظرية بتكلفة منخفضة.
ونتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيدًا
الوضع الإسرائيلي ليس أكثر استقرارًا.
نتنياهو ما زال رئيس حكومة تصريف أعمال، لكن الكتلة المؤيدة له لم تحصل على أغلبية، بينما حصل منافسه غادي آيزنكوت على دعم سياسي أوسع في مشاورات تشكيل الحكومة.
لذلك أصبح المستقبل السياسي لنتنياهو أكثر غموضًا مما كان عليه قبل الانتخابات.
وهنا تصبح الحرب عاملًا مزدوجًا.
التصعيد قد يعيد الأمن إلى رأس جدول الأولويات، ويؤجل النقاش السياسي الداخلي.
لكنه في المقابل قد يرهق جيشًا واقتصادًا ومجتمعًا عاش سنوات من المواجهات.
لذلك القول إن نتنياهو «يحتاج الحرب» مبالغة.
لكن القول إن أي تصعيد جديد سيغير البيئة السياسية التي يجري داخلها الصراع على السلطة أكثر دقة.
إيران هي الجبهة الأخطر
السبب بسيط.
الحرب الإيرانية أصبحت أصلًا جزءًا من المشكلة السياسية الأميركية.
ارتفاع أسعار الوقود، طول أمد المواجهة، وتعب الرأي العام كلها عوامل ساهمت في الضغط على الجمهوريين.
ولهذا يواجه ترامب معادلة غير مريحة.
التراجع دون اتفاق واضح قد يُقرأ كفشل.
والاستمرار في الاستنزاف يستهلك المال والشعبية.
أما التصعيد الواسع فقد يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية إلى مستويات أكبر.
أي أن الخيارات الثلاثة مكلفة.
وهذا ما يجعل المرحلة خطرة، لا لأن الحرب تخدم ترامب بالضرورة… بل لأن الخروج منها أصبح أكثر صعوبة من الدخول إليها.
الأسواق ستفهم الخطر قبل السياسة
إذا انتقلت المواجهة مع إيران إلى موجة أوسع، لن يكون النفط مجرد متفرج.
مضيق هرمز ما زال إحدى أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد العالمي، وأي تهديد جديد لحركة الطاقة سيعيد الضغط على النفط، التضخم، الفائدة والأسواق.
وهنا قد تظهر المفارقة التي تحدثنا عنها سابقًا:
الحرب قد تدعم الذهب من باب الخوف، لكنها قد ترفع النفط والتضخم والدولار في الوقت نفسه، فتضغط عليه مؤقتًا قبل أن تتحول آثار الحرب طويلة الأجل إلى دعم هيكلي له.
لذلك خلال الشهرين المقبلين، لا أرى أن السؤال الأهم هو:
من سيربح الحرب؟
السؤال الأكثر أهمية للأسواق هو:
هل سيختار الطرفان دفع تكلفة التسوية الآن… أم شراء الوقت بتصعيد يجعل الفاتورة أكبر لاحقًا؟
لأن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي يريدها الجميع.
أحيانًا تبدأ عندما يصبح التراجع نفسه أغلى من خطوة أخرى إلى الأمام.
المستشار عمر جاسم آل صياح
#إيران #ترامب #الشرق_الأوسط #Markets