هل تنزل أميركا براً… ويصعد الذهب قسراً؟
الجمهور يتخيل أن السؤال يبدأ من الدبابات التي قد تدخل إيران، بينما السؤال الحقيقي يبدأ من مكان أبرد بكثير:
هل تملك واشنطن هدفاً سياسياً يستطيع الجيش إنهاءه، أم أنها دخلت حرباً تعرف كيف توسعها ولا تعرف كيف تغلقها؟
فالولايات المتحدة لا تقف اليوم أمام إيران مهددةً بالحرب؛ هي داخل صراع عسكري مباشر بالفعل، يعتمد أساساً على الطائرات والصواريخ والسفن.
أما الانتقال إلى هجوم بري واسع لتغيير النظام، فهذه ليست «ضربة إضافية»، بل انتقال من حرب يمكن التحكم بإيقاعها إلى مشروع احتلال يصعب التحكم بنهايته.
وبناءً على المؤشرات العسكرية والسياسية الحالية، أقدّر احتمال غزو بري أميركي واسع هدفه إسقاط النظام بنحو 15% إلى 25%.
أما احتمال عمليات برية محدودة، مثل إنزال قوات خاصة، أو تأمين منشأة نووية، أو تحرير طيارين، أو السيطرة المؤقتة على جزيرة أو مرفق نفطي، فهو أعلى، وقد يدور بين 35% و45%.
هذه ليست أرقاماً صادرة عن البنتاغون، ولا نبوءة تُباع مع قهوة الصباح.
إنها قراءة ترجيحية تجمع التاريخ الأميركي، وحجم القوات المتاحة، والموقف الشعبي، وطبيعة إيران، ومسار الحرب الحالي.
لماذا يبقى احتمال الغزو الشامل منخفضاً؟
لأن تغيير النظام من الجو يبدو سهلاً فقط لمن يظن أن الدولة تنهار عندما ينتهي البث التلفزيوني.
القصف قادر على تدمير المطارات والرادارات والمنشآت، لكنه لا يدير المدن، ولا يحرس الحدود، ولا يختار من يحكم في اليوم التالي.
والتجربة الأميركية ليست فقيرة بالدروس.
في العراق سقط النظام سريعاً، ثم بدأت الحرب الحقيقية بعد سقوطه.
وفي أفغانستان انتصر الجيش في الأسابيع الأولى، ثم أمضت واشنطن عقدين تبحث عن تعريف مقنع للنصر.
الجيوش تستطيع فتح الأبواب بالقوة؛ المشكلة دائماً فيمن سيعيش خلف الباب بعد ذلك.
إيران أيضاً ليست جزيرة صغيرة، ولا ساحة صحراوية مفتوحة.
هي دولة كبيرة ذات جغرافيا جبلية، ومؤسسات أمنية متجذرة، وشبكات صاروخية ووكلاء إقليميين، وقدرة على نقل الحرب إلى مضيق هرمز والقواعد الأميركية ودول الخليج.
إسقاط المركز لا يعني السيطرة على الأطراف، وقتل القيادات لا يعني ولادة حكومة قابلة للحكم.
ثم هناك المشكلة التي يحب السياسيون تأجيلها لأنها تفسد جمال الخريطة العسكرية:
من يحكم إيران بعد إسقاط النظام؟
حتى الآن، لا تظهر خطة أميركية واضحة لبناء سلطة بديلة، ولا توجد قوة معارضة داخلية موحدة تستطيع استلام دولة بهذا الحجم.
وتغيير النظام من دون بديل ليس استراتيجية؛ إنه شراء فراغ سياسي بأغلى فاتورة عسكرية.
هناك أيضاً عامل الداخل الأميركي.
الرأي العام قد يقبل الغارات البعيدة التي تظهر على الشاشة لدقائق، لكنه أقل حماساً عندما تتحول الحرب إلى توابيت، وضرائب، وبنزين مرتفع، واعتمادات مالية جديدة يطلبها البيت الأبيض من الكونغرس.
وفي استطلاع أميركي أُجري خلال الحرب، لم يؤيد الدخول في حرب برية واسعة سوى 7% من المشاركين.
العناوين تحب صورة الجندي، لكن الناخب يتذكر سريعاً أنه هو من سيدفع راتبه وذخيرته ووقوده.
لهذا تفضّل واشنطن، حتى الآن، أن تجعل الحرب ثقيلة على إيران وخفيفة على الجندي الأميركي:
طائرات، وصواريخ بعيدة المدى، وحصار بحري، وعقوبات، وضغط على النفط والممرات التجارية.
لكن لماذا لا أضع احتمال الغزو عند صفر؟
لأن الحروب لا تتوسع دائماً بقرار مرتب؛ أحياناً تتوسع بسبب حادثة واحدة لا تسمح للقيادات بالتراجع أمام جمهورها.
مقتل عدد كبير من الجنود الأميركيين، أو فقدان طيارين داخل إيران، أو تهديد مخزون نووي لا يمكن الوصول إليه من الجو، أو إغلاق طويل لمضيق هرمز، أو انهيار أمني مفاجئ داخل الدولة…
أي واحد من هذه الأحداث قد يحول عبارة «لا نريد قوات برية» إلى «عملية محدودة وضرورية».
ثم تتحول الضرورة المؤقتة إلى وجود لا يعرف أحد موعد نهايته.
كما أن الحديث عن السيطرة على جزيرة خرج أو تأمين مواقع نووية يكشف أن باب العمليات البرية لم يُغلق تماماً.
والخطر هنا ليس أن تبدأ الولايات المتحدة بمئة ألف جندي، بل أن تبدأ بألف جندي تحت عنوان محدود، ثم يصبح إرسال خمسة آلاف آخرين ضرورة لحماية الألف الأوائل.
هكذا تتضخم الحروب:
لا تبدأ دائماً بالخطة الكبرى، بل بسلسلة من القرارات الصغيرة التي يبدو كل واحد منها منطقياً بمفرده.
وفي العينة التاريخية التي بنيناها للحملات الأميركية الجوية والبحرية التي لم يكن الغزو هدفها الأصلي، توسعت نسبة محدودة فقط إلى حرب برية كبيرة.
لكن الصراع الإيراني أكثر خطورة من المتوسط؛ لأنه لم يعد ضربة عقابية قصيرة، بل حرباً لها علاقة بالنفط والملاحة والبرنامج النووي وهيبة الولايات المتحدة في المنطقة.
والآن إلى السؤال الذي يحبه السوق أكثر من الجغرافيا:
ماذا يحدث للذهب؟
الجواب الذي لا يعجب أصحاب العناوين السريعة هو أن الحرب لا تعني دائماً صعود الذهب.
مؤخراً تجدد تبادل الضربات وارتفع النفط، ومع ذلك تراجع الذهب بنحو 1.4% إلى قرابة 4,062 دولاراً للأونصة.
لماذا؟
لأن السوق لم يرَ الخوف وحده؛ رأى أيضاً تضخماً أعلى، وفائدة قد تبقى مرتفعة، وعوائد سندات صاعدة، ودولاراً يحصل على جزء من سيولة الملاذ الآمن.
وهنا المفارقة التي لا ينتبه إليها الجمهور:
الحرب قد ترفع الطلب على الذهب، لكنها قد ترفع النفط والتضخم أيضاً، فيتشدد الاحتياطي الفيدرالي، وترتفع عوائد السندات، ويصبح الذهب الذي لا يدفع فائدة تحت الضغط.
الجمهور يراقب الصواريخ، والمحترف يراقب عوائد السندات.
ولفهم حجم الخدعة، تجاوز الذهب 5,500 دولار خلال كانون الثاني / 01، ثم انخفض إلى ما دون 4,000 دولار خلال أواخر حزيران / 06، رغم استمرار الحرب والمخاطر الجيوسياسية.
الحرب بقيت، لكن قراءة السوق للفائدة والدولار والسيولة تغيرت.
لذلك فإن أثر أي هجوم بري على الذهب سيمر بثلاث مراحل، وليس بحركة واحدة مستقيمة كما يتمنى من يرسم الأسواق بالمسطرة.
في الساعات والأيام الأولى، سيحصل الذهب غالباً على دفعة قوية لا أعتقد أعلى من 4500.
دخول القوات البرية يعني أن الحرب تجاوزت حدود الضربات المحسوبة، وأن احتمال سقوط جنود أميركيين واضطراب مضيق هرمز واتساع مشاركة حلفاء إيران أصبح أعلى.
هنا تعمل غريزة الخوف:
تتراجع الأسهم، ويرتفع النفط، وتبحث السيولة عن ملاذ.
لكن بعد القفزة الأولى يبدأ الاختبار الحقيقي.
إذا كانت العملية محدودة وسريعة، مثل السيطرة على موقع أو جزيرة ثم الانسحاب، فقد يعيد الذهب جزءاً من مكاسبه.
الأسواق لا تدفع علاوة خوف كاملة على خطر انتهى أسرع مما بدأ.
أما إذا تحول الهجوم إلى مشروع تغيير نظام، فسيصبح النفط هو الحكم الأول.
اضطراب طويل في مضيق هرمز قد يرفع تكلفة الطاقة والشحن والتأمين، ثم ينتقل الأثر إلى الغذاء والنقل والتضخم وبالتالي ينخفض الذهب
عندها قد يرتفع الذهب أولاً بسبب الحرب، ثم يتعرض للضغط؛ لأن الاحتياطي الفيدرالي سيخشى التضخم أكثر من تباطؤ النمو.
هذا ما يجعل المرحلة الأولى خادعة: ، لأن الذهب في بداية الحرب ارتفع ارتفاع بسيط لكن تلاه هبوط كبير ، ثم تبدأ المرحلة الثالثة
المرحلة الثالثة، وهي الأهم، فتبدأ عندما تظهر الفاتورة المالية للحرب.
الغزو البري لا يُدفع ثمنه في يوم بدء العملية.
يُدفع عبر عجز أعلى، وإصدارات أكبر من السندات، وإنفاق دفاعي ممتد، وتعويضات، وقواعد عسكرية، وحماية خطوط الإمداد، وربما إعادة إعمار دولة لم تطلب أن يعيد أحد إعمارها.
إذا طالت الحرب وبدأ الاقتصاد الأميركي يتباطأ، سيصبح الفيدرالي محاصراً بين تضخم الطاقة وضعف النمو.
وعندما تنتقل الأسواق من سؤال: «هل سترتفع الفائدة؟» إلى سؤال: «كيف ستُموَّل هذه الحرب؟»، يعود الذهب إلى واجهة المشهد بصورة أقوى.
الحرب لا ترفع الذهب وحدها؛ ما يرفع الذهب هو الثمن النقدي للحرب.
لدينا إذاً ثلاثة سيناريوهات.
الأول، وهو الأرجح، استمرار الحرب الجوية والبحرية مع مفاوضات متقطعة دون غزو شامل.
في هذه الحالة يبقى الذهب متقلباً: تدعمه المخاطر الجيوسياسية ومشتريات التحوط، وتضغط عليه الفائدة والدولار كلما ارتفع النفط.
الثاني، تنفيذ عملية برية محدودة.
هنا قد يسجل الذهب قفزة أولية، لكن استمرارها يعتمد على مدة العملية، ورد إيران، وحركة الملاحة.
صورة الجنود على الأرض مهمة للعناوين، لكن ناقلة النفط المتوقفة في هرمز أهم للأسعار.
الثالث، غزو واسع لتغيير النظام.
هذا قد يدفع الذهب إلى الارتفاع في البداية، لكنه لا يضمن مساراً صاعداً فورياً.
انتصار سريع، واستقرار سياسي، وقوة في الدولار، وبقاء الفائدة مرتفعة، قد تعيد الذهب إلى التراجع.
أما حرب طويلة، ونفط مرتفع، وعجز مالي متسع، وضغط على سوق السندات أو النظام المصرفي، فقد تخلق دورة صعود أطول من الحرب نفسها.
لهذا فإن مراقبة الذهب عبر عدّ الصواريخ طريقة تصلح للتلفاز، لا لإدارة القرار المالي.
المؤشرات الأهم ليست عدد الغارات فقط، بل حركة النفط، ومرور السفن في مضيق هرمز، وعوائد السندات الأميركية، وتوقعات الفائدة، واتجاه الدولار، وحجم الإنفاق العسكري، وموقف الكونغرس من تمويل العمليات.
عندما يرتفع الذهب مع ارتفاع الدولار، فالسوق يشتري الخوف.
وعندما ينخفض الذهب رغم اتساع الحرب، فالسوق يخشى الفائدة.
وعندما يبدأ الذهب بالصعود بينما تتراجع العوائد ويكبر العجز، فالسوق لا يعود يسعّر الحرب فقط؛ بل يسعّر ثمنها على الدولار.
الخلاصة أن الغزو البري الأميركي الشامل لإيران ليس السيناريو الأرجح حالياً، لكنه لم يعد احتمالاً نظرياً يمكن السخرية منه.
الأكثر ترجيحاً هو استمرار القوة الجوية والبحرية، مع إمكانية عمليات برية محدودة إذا فشلت الضربات في تحقيق أهدافها، أو تطورت أزمة مضيق هرمز والملف النووي ، وبهذا نرجح أن الذهب سيخسر مكاسبه أولا ً ثم يدفع الفاتورة لاحقاً
أما الذهب، فلن يسأل من انتصر في أول أسبوع.
سيسأل من سيدفع، وكم ستقترض الحكومة، وكم ستبقى الفائدة مرتفعة، وهل تحولت الحرب من خبر عسكري إلى خلل مالي.
السوق لا يخاف من الحرب بقدر ما يخاف من حرب بلا نهاية… ولا فاتورة نهائية.
فهل تذهب واشنطن إلى البر لتغيير النظام، أم تكتشف مجدداً أن تغيير الأسعار أسهل من تغيير الدول؟
تابعني لتقرأ ما خلف حركة السوق.
#الذهب #إيران #أميركا #Gold #مضيق_هرمز